المرأة التي كانت تزرع الرجال..!!!




لعله خيال نبوءي الذي تحكم بأبيها أو بأمها، بإطلاق هذا الاسم عليها. لمعان. اسم غير متداول كثيراً لا في بيئتها الصغيرة ولا في البيئة الأوسع. لكنها ومع أولى علامات التكور والنضوج في جسدها وباجتماع الضدين؛ النحافة والاكتناز، قد تقمصته.

صار الجسد دالاً على الإسم. اكتشفت هذا في حفل زواج خرج عن الإطر التقليدية لحفلات الزواج وفي ناد مرموق من نوادي العاصمة، والضيوف عوائل من طرفي متراس الزوجية. حدث في ذلك الحفل أن صعد في رأس أحدهم هاجس ترتيب مسابقة اختيار ملكة جمال الحفل، شرط أن لا تكون العروس.

ولم تكن المتوجة سوى لمعان. فحين صعدت إلى ما يشبه المنصة لتسلم الجائزة البسيطة تحت الأضواء الباهرة القوية، شاهد الجميع سيولاً من قطرات الندى الكريستالي تسيل من تحت هالة شعرها الطويل وتتخذ لها مسارباً شتى، لكن ظل أوجعها على قلوب الشيب والشباب المنسوب النازل من تحت الزلف إلى الرقبة نزولاً إلى ما بين النهدين الصغيرين.

عكست تلك السيول الشفافة الأضواء الملونة جاعلة من جسد لمعان ضوءاً يمشي. رقصت كثيراً في تلك الليلة حتى كاد جسدها يذوب في عرقه.


سيشاع لاحقاً ومن داخل فضاء صديقاتها؛ أن لمعان قليلة حظ. لأنها خرجت على نسق مواصفاتهن لفارس الأحلام.. لم يكن فارسها أبيض بعيون زرق وشعر أشقر وطول وعرض.. كان أسوداً من أصل زنجي، يكبرها بسنتين. وجدت فيه ما لا تراه أعين صديقاتها.

وفي ذلك السن الصغير لكن المتفتح تواً على مباهج الحياة وفي زاوية ظليلة من مكان مهجور وفي زمن هو الاخر مهجور الآن، تقابلا للمرة الأولى بلا رقيب. كفيها بكفيه والوجهان متقاربان والكلمات بينهما لا تقال بل تسري بين الجسدين وعطر جسدها الناضح فاح وملأ المكان.

والعاشق كان مخموراً بكل هذا، مثل متعبد في محراب إلهه لم يملّ من لثم كفيها. دار رأسها وتنملَّ وشعرت برجة في فخذيها. طلبت منه:
– بوسني..!!


ارتعد جسد الشاب. وكأنه أُخرج من جنته. أسقط كفيها من كفيه وأبتعد وجهه عن وجهها.. وداخله الرعب حتى صارت الكلمات تتعثر قبل خروجها وتسلك مسالكاً مظلمة ومطبات قاسية. رحلة شاقة.. لكنها خرجت:
– شلون تريديني أبوسك وأنت حبيبتي..؟ لمعان كنت الجوهرة التي أحافظ عليها.


كل شيء ثابت في جسدها إلا الرأس والفخذين. الاثنان خائفان هو من عطر جسدها الذي أفغم كل حواسه ومن نفسه وهي من رغبتها المشتعلة ومن هذه الرجفة اللذيذة التي استقرت في الفخذين. نزل بينهما جدار جعلهما يتخاطبان من خلفه.. هو لا يرى في ما طلبته سوى تلويث لحبه العذري وضعف لا يغتفر.. وهي لم تر فيه سوى خذلان لا يغتفر.

عند ذلك الجدار أنهار (فلم العاشقين) حسب تعبيرها. لكن تلك اللذة المقطوعة حفرت لنفسها مسارباً في أعماق لمعان.
بعد سنين ستكون في الـ25 وكانت سنين حرب، سيتكور جسدها وينضج أكثر فأكثر. وحدث في مصادفة سعيدة (أو تعيسة؟) أن فريقاً سينمائياً حط رحاله قرب المؤسسة التي تعمل فيها موظفة علاقات عامة.

كانوا يصورون ممثلة فاشلة لم تتقن لا دورها ولا حرفة التمثيل. وتجمع الموظفون حول فريق التصوير وصياح المخرج للفرجة. وحدث ومن باب المزاح أن طلب أحد الزملاء المتفرجين على مهزلة التمثيل:
– لمعان ليش ما تمثلين بمكانها..؟


أطلقت ضحكتها التي ستسجل بأسمها من الآن ماركة في أفلام السكرين.. ضحكة لصهيل فرس جموح لكنه مخفف بغنج وسخرية. بقلاوة بغدادية صاخبة. التقطت مجسات المخرج تلك الضحكة وكأنها هي التي يبحث عنها وفشلت ممثلته في تجسيدها.

دعاها لأداء الدور ورأى بعين الذئب عالماً من مواهب مكبوتة في هذا الجسد الجميل. عرض عليها عقد عمل على مسلسل تكون فيه هي البطلة. هكذا أصبحت نجمة واشتهر اسمها المكتفي بذاته بلا لواحق ودفعت ثمن النجومية، أن طُردت من بيت أبيها وتبرأت منها عائلتها وصديقاتها المقربات مع تهديدات أخيها بقتلها لكنها ظلت ملجومة بسطوة عالم لمعان الجديد..

خسرت الكثير بما فيه فرصة الزواج من أحدهم. لكنها ربحت كل الرجال الملتاعين الباحثين عن نسمة جمال في عالم الحروب. تسيدت أفلام السكرين. نجمة أولى. والنجوم لا ترى إلا نفسها.. صارت تبدل الرجال. حتى تخصصت في فصيلة منهم أولئك أصحاب الماليبو. إذ كان محيطها النسائي الجديد يميز العشاق على ضوء موديلات وماركات سياراتهم. وهي قد تخصصت في الماركة الأعلى من تلك السيارات التي تُمنَح للضباط الطيارين.


طار هؤلاء بها وطارت بهم. وكانت عطشى لملأ الفراغ الذي تركه عاشقها القديم. لكنها لم تصل مع أي من الرجال إلى ذلك التنمل في الرأس وارتجاف الأفخاذ. وهي لا تبحث إلا عن هذا. وفي نزوة جديدة لا تدري اهي تناكد زنجيها الذي خذلها أم هو الملل من أولئك الطواويس الطائرة، صارت تزرعهم.

بل وتزرع غيرهم. يحدث أنها في اليوم الواحد تزرع ثلاثة رجال في أماكن متباعدة. تزرع وتمشي وتنسى. توافق على مواعيدهم وتتركهم مشتولين في أرض الموعد. كانت أحدى صديقتها العارفة بهوايتها الجديدة تقول لها:
– لج عيني خطية.. هذا صارله يومين مشتول.. اسقيه..!!
– خليه مشتول..


منهم من لا يتوب ويكرر التجربة لمرات وتسميهم (زواحف) ومنهم من يحترم نفسه وينسحب. وحدث أن كنت أحد المشتولين. إنما في أرض جديدة. ليست أرضها كما هي ليست أرضي. التقيتها في مؤسسة التأمينات الأجتماعية. قدّرت عمرها في بداية الأربعينات؛ أنيقة، رشيقة، جميلة وبأنوثة طاغية.

كانت عالقة مع الموظفة دون أن تجيد لغة البلد. لاجئة جديدة لم تكتشف بعد كواليس عالمها الجديد. عرضت عليها مساعدتها. قالت بأنف مرفوع:
– قل لها أنا نجمة.. هذولة ما يعرفون النجوم.. تريد تشغلني ما أدري وين..


ساعدتها بالترجمة وصُدمتُ حين اطلعت على عمرها الحقيقي على الورق. اتفقنا على لقاء شتلتني به. لكنها عادت بعد أكثر من شهر واتصلت فارضة عليَّ شروط صداقة خالية من الزحف (المقدس) وهذه تعابيرها هي “عفية أنت حباب..

الله يخليك لا تزحف خلينا أصدقاء وبس” صرت مولعاً بحكايات عالمها الصاخب وضحكتها المتفردة.. أضحك كثيراً حين أكون معها على مفردات قاموسها الغريب.. وما زال وقع مفردة (زاحف) يتجسد في خيالي على هيئة سلحفاة أو صرصار وليس ذلك الشاب أو الشيخ المتصابي المتهالك اللاهث خلف البنت وهي تعامله بتمنع وتعذيب..!!!

بقلم الروائي KAREEM KETAFA.

0 تعليقات

    أترك تعليق