اللامتناهي في راحة اليد, عن الإله الذي يخلق الأكوان وينساها.



الفرق بين من يعثر على مال ومن يعثر على كتاب؛ الأول يضنٌّ بلقيته على غيره، ويعتبرها سرّه المكين، بينما الثاني لا يشعر بالراحة قبل أن يفشي سر لقيته. منذ مدة أفشى الصديق (وسام مناهي) سر هذا الكتاب. وكان بالنسبة لي لقية ثمينة. وما أن حملّته من النت حتى أمسك بي. وكأي كتاب مهم لن يكتفي بالإمساك بك، بل يدفعك للكتابة عنه وإفشاء سرّه.


الكتاب من تأليف الكاتبة (جيوكوندا بللي) من نيكاراغوا، تلقفه سريعاً جامع تحف اللغة لإسبانية الجميل (صالح علماني) وحوّله إلى العربية ونشرّه عبر (دار المدى) 2009.


الكتاب عبارة عن رواية تعتمد التخييل المستند إلى تخييلات كثيرة أخرى وعلى تفسيرات وإعادة تفاسير نسجتها البشرية حول أصل البشر منذ أزمنة لا ترقى إليها الذاكرة.. أنها في دهشتها وحيرتها، قصة كل واحد منا.


تبدأ الكاتبة كتابها بإهداء إلى ضحايا حرب العراق المجهولين وتقول “في مكان ما من تلك البلاد، بين دجلة والفرات، كان هناك فردوس ذات مرة” أنه الفردوس التوراتي الذي كان على الأرض وليس في السماء. ومن نافلة القول؛

أن الكاتبة في عملها هذا استندت إلى قراءات كثيرة شملت كل التراث الديني بشقيه التوراتي والإنجيلي حول قصة الخلق إياها عن الرجل الأول المسمى (آدم) والمرأة التي خرجت من ضلعه (حواء) والحيّة شريكة الإله والمرأة في الإثم الأول.. إثم أكل تلك الثمرة المحرمة.


بثلاث شخصيات ورابعة متخفية أعادت الكاتبة بناء دراما آدم وحواء في الفردوس وخارجه. ولأن الكاتبة غير متدينة لم تلتزم بالسياقات المقدسة لهذه القصة، بل بنت حولها ومنها سياقات موازية اجترحتها ليست فقط مخيلتها بل ومخيلة مئات وآلاف الحكايا التي نسجت على مر الزمان على هامش الحكاية الأولى. أنها حكاية الجدل الأزلي بين الوجود والآخر الكائن خلف الوجود.

في الرواية اسم الاخر (إلوكيم) وأظنه ترجمة مصحفة عن الإسم الأول الذي اختاره العبرانيون لإلههم، (إلوهيم)، الذي تحول لاحقاً إلى (يهوا) وحوله المسيحيون إلى (الأب) هكذا بلا اسم وأعطاه المسلمون اسم (الله).


في كل الرواية بدت حوارات المرأة (حواء) بغاية الذكاء والجمالية على عكس حوارات (آدم ) فكانت في غالبها مبنية على الندم والخوف من إلوكيم وتحميل المرأة جريرة الفعل الذي شاركها فيه. وهذه نماذج من أجمل الحوارات بين الحيّة وحواء:


– ماذا يحصل لو أكلت الثمرة؟
– ستعرفين… وتموتين.
– أعرف ماذا..؟
– كل ما هو خلف هذا الأفق
– ولماذا عليّ أن لا أعرف؟
– لأنك وهو (آدم) خلقكم إلوكيم على هيئته وجعل المعرفة محصورة به.
– لماذا؟
– لأنكم تشبهونه إلا بهذه.
– ولماذا ترك لنا حرية الإختيار..؟
– ليرى ماذا تفعلون بها.
– وهل هو بهذا الضجر..؟


– نعم هو وحيد. الوحدة مع المعرفة تتسبب بالضجر.
– لكنك تحثيني على أكلها..
– أنا لم أقل هذا..
– أنت قلتِ إن أكلتها سأعرف ما وراء الأفق الذي أتحرق لمعرفته..
– وتموتين..!!
– آه.. لكني لا أعرف الموت
– ستعرفينه..
– وأنت كيف عرفتي إلوكيم؟
– أنا معه من زمن بعيد. رأيت قبلكم أكواناً كثيرة خلقها ونساها..
– ولماذا يخلقها طالما سينساها..؟
– لعله الضجر.. ضجر الوحدة..

بقلم الروائي KAREEM KETAFA.

0 تعليقات

    أترك تعليق