الثوب الذي طرزوه بالرصاص.




في هذا اليوم كان في سهل كويسنجق موكبان للتشييع، أحدهما لشخصية (كبيرة) من (أوك)(*) والثاني لأمرأة اسمها (عائشة ﮔولكه). وكان هناك فريق صحفي من هولندا أراد تغطية الحدثين.. لكنه أنجذب للتشييع الثاني.

كان عدد المشيعين للموكب الأول قلائل لا يتناسب مع المكانة المفترضة للشخصية المشيعة.. بينما مشيعو الموكب الثاني كانوا كل كويسنجق مضافاً لهم أطرافها وقراها القريبة وصولاً إلى أربيل.

ولفت أنتباه الصحفية الهولندية عند توقف المسيرة والتهيؤ للدفن، رجلاً ذو هيبة وكاريزما واضحة.. متوسط العمر بشارب يميل للشقرة مسلح بحزام على البشتين فيه مسدس. وقف على شيء يشبه المنصة يخطب في المشيعين بسيطرة واضحة وثقة عالية بالنفس. أنه (محمد الحلاق). سألت الصحفية:

من هي عائشة ﮔولكه.. ومن هذا الرجل..؟
بالنسبة لي هنا وفي هذه المساحة الصغيرة التي أفترضها لقارئ الفيسبوك العجول؛ من الصعب علي الإجابة على سؤال الصحفية الهولندية حول الاثنين؛ عائشة ﮔولكه ومحمد الحلاق. لأن الاثنين في ذهني مترادفان وفي ذهن غيري من الذين عرفوا حكايتهما. لا يُعرف أحدهما دون الاخر. لكني سأقصر حديثي مجبراً وقدر المستطاع على عائشة فقط.


بعد أنكفاء المقاومة المسلحة في الجبل على أثر عمليات الأنفال الواسعة صيف 1988 والتي أتت على الحرث والنسل (أرض محروقة)، كانت عائشة معتقلة في أحد سجون أربيل وهي بعمر الكهولة.

وقالوا حينها أن المستشار (زاهر آغا) من أهالي كويسنجق ذهب بنفسه لمقابلة (علي حسن المجيد)، عارضاً عليه أمر هذه المرأة: “هذه امرأة شيوعية منذ طفولتها وهي أم (محمد الحلاق) لهذا لا ينبغي إبقاءها في السجن لفترة طويلة”. غير واضح هل كان هدف ذلك الآغا؛ إطلاق سراحها أم الاستعجال في إعدامها.

لكن المؤكد أن (علي حسن المجيد) أبرق إلى مدير أمن أربيل (تم العثور على البرقية بعد انسحاب النظام من مدينة أربيل) يطلب منه أن يعدموا عائشة ويرموا جثتها أمام بناية المحافظة ليراها جميع سكان أربيل..!! أجاب مدير الأمن العارف بكواليس هذه المدينة وريفها سيده بـ:

“سيدي هذا غير ممكن.. لهذه المرأة ولأبنها سمعة كبيرة داخل وخارج أربيل وإعدامها بهذه الطريقة سيتسبب لنا بمشاكل كثيرة.. اقترح عليكم أن نعدمها وندفنها بشكل سري”
لكن، لماذا كل هذا الحقد على هذه المرأة وهي بعمر الكهولة..؟


تقول أبنتها السيدة (كلثوم) في شهادتها المسجلة لفلم (نصيرات): كانت أمي منذ طفولتها شجاعة وذكية. وكانت جميلة جداً ولهذا وصفوها بـ(ﮔولكه) أي الوردة.

وتذكر عنها أنها كانت تتعامل حتى مع السلاح، تجلبه وتخفيه وتوصله في سنوات الكفاح المسلح إلى الجبل. ومرات كثيرة شغلتنا نحن البنات سعاة بريد دون أن نعلم. كانت تحشو الأوراق (صحف، منشورات) في الوسائد وتخيطها. وفي إحد المرات أخذتنا إلى البصرة ونحن متوسدات الوسائد لنعرف عند الوصول أنها كانت مخازن سرية.


ويقول الأنصار العرب عنها؛ انها حين كانت تأتي، تجلب معها طعاماً يكفي لخمسين شخصاً مع ملابس وأحذية.. وحين يسألها أبنها لماذا كل هذه الأثقال؛ تجيبه: هذه للشباب العرب أمهاتهم بعيدات عنهم.


وحين جاء من يخبرنا (الحديث لأبنتها) أنه شاهد جثث خمسة من الشيوعيين الانصار في زيل عسكري جلبوهم إلى شقلاوة وأعطى أوصاف أحدهم، قالت أمي “هذا ابني بەژدار” قالتها وكأنها تتكلم عن شخص آخر. استقبلت استشهاد أبنها الصغير بصلابة غريبة ومنعتنا من البكاء “أخت الشهيد لا تبكي”.


حين اعتقلوها كنت معها تقول (كلثوم)؛ كنا في زيارة لقبر أخي الشهيد وكانت المقبرة مراقبة. اعتقلوا كل الذين كانوا معنا وكان العدد 18 شخصاً، رجال ونساء وأطفال. اعتقلوا معنا عائلة صاحب البيت الذي استضافنا في الليلة الفائتة. شاهدت أمي ونحن في قاعة كبيرة، تخرج من حقيبتها ورقتين وتبلعهما.

ثم رمت الحقيبة لي وقالت: عليكم جميعاً أن تتبرأوا مني. أنا لا أعرف أحد منكم وأنتم لا تعرفوني، حتى نحن بناتها. وبعد انتظار طويل جاء من يصرخ بنا: من هي عائشة ﮔولكه؟ أجابته أمي: أنا. قال: على الجميع الخروج. شغلنا مع هذه المرأة.


قالت إحدى السجينات بعد إطلاق سراحها؛ أن عائشة كانت موضوعة في زنزانة أنفرادية. لكنهم بعد كل جولة تعذيب يجلبونها لنا في القاعة لنداويها. تكون مغمياً عليها. وفي إحدى المرات وبعد أن صحت سمعت إحدى السجينات وكان اسمها (نرمين) من عائلة تنتمي لـ(أوك)؛ تتحدث بيأس وجزع: سأعترف هذه المرة.. لم تبق لي القدرة.. لا استطیع تحمل الکهرباء..

لا أستطیع تحمل المروحة.. هذە المرة سأبوح بکل ماعندي. رفعت عائشة رأسها لها وخاطبتها: أنت بهذا ستفضحين نفسك وحزبك وزوجك وأهلك.. ولن تكسبي شيئاً.. لأنهم إذا أرادوا قتلك سيقتلونك بالاعتراف وبدونه..


وحين أطلقوا سراح عدد من السجينات على أثر قرار عفو، خرجت كل السجينات إلا أمي. لكنها أوصلت لنا مع إحداهن علبة ثقاب بداخلها قطعة قماش صغيرة قطعتها من ثوبها. لتقول لنا ما زلت حية وبنفس الثوب.


كانت ترتدي على عادة النساء الكورديات ثوباً مخرماً وشفافاً يغطي الملابس التي ترتديها المرأة، في العادة يكون ملوناً بألوان الربيع الزاهي، لكن ثوب عائشة كان أسوداً.
……………..


أخذوها إلى معسكر على طريق الموصل وهناك طرزوا ثوبها بالرصاص.
وبمساعدة عامل البلدية الذي دفنها بنفسه بجوار معمل الآسفلت على طريق الموصل تم التعرف علي رفاتها. ظل المسكين خائفاً لزمن طويل لئلا يتهم هو الآخر بالجريمة. قال: أنا نزعت اسواراً ذهبياً من يدها ووضعته تحت رأسها كعلامة.

وكان التشييع في الحقيقة لثوبها المطرز بالرصاص أكثر ما هو لجثمانها الذي لم يبق منه شيء
(*) (أوك) الاتحاد الوطني الكوردستاني.

بقلم الروائي KAREEM KETAFA.

0 تعليقات

    أترك تعليق