الأحلام والمسرح.


كتبت لي السيدة خلود أورهان أخت صديقي روبرت..
((مساء الخير استاذ كريم.. لا اعرف لماذا سمحتٌ لنفسي ان ازعجك بحلم حلمت به الليلة الماضية وهو عن اخي روبرت. عندما ذهبت إلى فراشي لم يكن هو في بالي ابداً .

حلمت بأنني في أمسية عن الشهداء! وبعد الأمسية أخذني أحدهم وقال لي بأن اخي حي يرزق ولكن الحزب أراد أن يشيع بأنه استشهد وقد غير اسمه وعنوانه ، وهو متزوج الان من امرأة روسية تكبره بأربع سنوات!! ولديه ابنة !!

وفعلا ذهبت إليه وتعرفت إلى عائلته وكان لديه سيارتين حديثتين! فأخذت أرقام السيارات لابحث عن اسمه الذي اتخذه !!! كنت سعيدة جداا لأني كنت معه، وبعد الحلم لازلت سعيدة لأني التقيته ولو في الحلم..))


سيدتي..
هذه واحدة من لوعات عوائلنا.. وواحدة من لعنات الإنسان التي امتاز بها عن الحيوان؛ أن له ذاكرة. ذاكرة الإنسان قادرة على خنقه فيما لو لم ينجح بتنظيفها بين وقت وآخر. تظل حكايا الماضي تنغل في دواخلنا مرة إلى أحلام سعيدة ومرة إلى كوابيس ليالينا ما لم نتخلص منها. ويظل الحكي والأحلام هما البلسم. رغم عدم خلو هذا الدواء من الألم.

نجتر حكايا كانت قد خلفت لنا ندوباً وأوراماً. تشبه عملية جراحية بمشرط يغور عميقاً ليستأصل الأورام وما حولها. سنعاني من المشرط، لكننا سنتنفس عميقاً بعد أن تخرج الحكاية.


أما الحكاية فهي حكاية روبرت (خليل أوراها) إبن العمة (ماريا داود)، الذي ودع ماراثون حياتنا بليلة 23/24 تموز1987، تاركاً لنا جملة يتيمة في دفتر صغير لعله كتبها قبل سويعات من المعركة “لا أخاف الإستشهاد.. لكني سأنزعج كثيراً لأن موتي سيتسبب بألم لمن أحبهم”..


سيدتي.. كان حلمك جميلاً.. ويكفي أنه أسعدك.. وروبرت هو الآخر كان يحلم ويحلم كثيراً.. فقط أن أحلامه كانت تدور في مساحات أخرى مقصية من إهتمام كثيرين.. وكانت أحلامه كلها تقع في الفاصل الزمني الذي يأتي ما بعد إسقاط النظام.. نعم.. كنا نؤمن في تلك السنين أن النظام سيسقط إن لم يكن بأسلحتنا البائسة فسيسقط بغيرها..

لم تكن أحلام روبرت مؤذية لأحد.. مثلاً هو لم يحلم أن يكون وزيراً أو نائباً في برلمان الما بعد.. كانت أحلامه تخص المسرح والسينما.. حتى أنا القريب من مساحة حلمه هذا قد أختلط عليَّ حين أختار له اسماً حركياً (روبرت).. أهو تيمناً بـ(روبرت دي نيرو) أم بـ(روبرت داوني).

كان يعشق الأثنين. كانت مشاهد المسرح والسينما تشع في سلوكه اليومي.. قادراً على تأدية الأدوار في الحياة نفسها قبل المسرح.. وكان ينجح بتقمص الأدوار كأن يكظم ويعض على نواجذه ليتجنب الشعور باليأس والقهر والإحباط.. وهذه مشاعر أعتادت أن تراودنا في تلك العزلة الجبلية ونحن نتقاسم مع الموت اللقمة وشربة الماء وظلال الإستراحات في ثنايا الصخور والكهوف..

نادراً ما يتشكى أو حتى يتعصب مهما كانت الأحداث صادمة والتي عادة ما نصلها أو تصلنا، يمارس دوره المسرحي بما يضطر رفاقه إلى مجاراته.. ببساطة سيحول التراجيديا إلى كوميديا.. يستبدل تلك الإنفعالات بضحكة ملونة بخيط حزن واضح.. لكنها تظل ضحكة تشع بها عيناه الخضراوان قبل شفتيه..

ثم يختمها بتلك الجملة التي باتت ماركة مسجلة بأسمه (أبول على العالم).. بتلك البولة كان يغسل الكثير من الأحزان ومشاعر الغضب والغيظ آخذاً أشباهه إلى برزخ الصفاء والهدوء.. لم تكن خشبات مسارحنا المتقشفة تجاري صهيل وجموح الأصوات التي يتسمع لها وهي تجيش في رأسه..

كان ورفاقه يعملون مسرحاً من البطانيات وبضعة أشكال يجري العمل على تركيبها على هيئة مجسمات ينحتونها بهوس المغامرة المستحيلة.. لم تكن تشبه مسرح حلم روبرت..

المسرح الذي تتناوب على خشبته السينما والمسرح في ذات الآن.. هذا ما كان ينظّر له حتى في تلك السنين التي لم تكن مسارح بلده تعرف خرافة (السينوغرافيا) بعد.


ولكنه استشهد يا سيدتي.. نعم استشهد برصاصة فلاح ربما لم يزر المدينة يوماً ولا أقول يعرف المسرح والسينما.. استشهد وما كان عليه أن يفعلها.. لكنه فعلها..!!!

بقلم الروائي KAREEM KETAFA.

0 تعليقات

    أترك تعليق