ليالي الهدنة.



وسط انعدام القدرة على التحقق، تقدم الكاتبة أنشودة للمعاناة والألم، يتفجر فيها ينابيع السخط والغضب، تحت ظلال بُنى اجتماعية ومنظومة قيم عليا تداعت أعمدتها ونخرها السوس، تلك التي كانت تشكل حبل النجاة للأجيال السابقة
في رواية ليرمونتوف التي صدرت في منتصف القرن التاسع عشر يسأل البطل (بتشورين) نفسه لماذا يُوقع كل هذا الأسي بالفتيات المراهقات؟


في (ليالي الهدنة)، تسأل البطلة نفسها:
– لماذا يوقع الرجال كل هذا الأذى بي؟
(بتشورين) الضابط في الحرس القيصري يعلم أن تدمير الأخر هو غذاء يشبع روحه الجائعة، يشبع النقص الطبقي والهيمنة الذكورية.


بطلة (ليالي الهدنة) لا تعرف لا الأسباب أو الدوافع، ولا تستطيع أن تقدم لنفسها منطقا ولا منهجا للتفسير، ولكونها لا تعرف يحل بها هذا العذاب القدري، وتجتمع في ذاتها المضطربة كل ما يخص العلاقة بين الذات الأنثوية والأخر الرجل، من حب وعشق ووجد وكراهية ومقت.

سمات الكتابة:


اللغة والخيال سمتان تمنحان الكاتب الجدارة بأن يكون روائيا…

تتجذر سمات الكتابة لدي العساسي من خلال واقع من بُنى استلابيه ومجتمعات مقموعة، يقف فيها الجهل والخرافة سيدان بجوار العلوم الحديثة، والكبح والقمع والجهل النفسي والثقافي وباقة من مواقع إباحية تنتشر بغزارة، في واقع لا يتوافر فيه رغيف الخبز وفرص العمل والتعلم والجامعات المتطورة والبنى الثقافية الحرة.


كما لا نلمح في نصوص الكاتبة سموم الأيدولوجيا، وخياراتها، وهموم الماضي الاجتماعي لتقدم ذات البطلة المعاصرة وابنة جيلها عارية، جرح يئن وينزف من انعدام التحقق أو الإرضاء الذاتي، على مستويات عديدة، حيث تنصب اهتماماتها على تناول حاضرا تعيسا ومستقبل مجهول يحمل في جنباته دبيب احتمالات ثورة اجتماعية هائلة.

اللغة:


في نص ليالي الهدنة، تحتل اللغة الصدارة، لغة عذبة من المشاعر والأحاسيس والغضب، وسردية من مناجاة النفس، وحساب الذات والأخر وسلاسة في السرد تنساب الدلالات فيها بنعومة، ومتواليات من المرادفات التي لا تتوقف عن إنتاج صور جديدة متلاحقة.

تُراكم المعني وتفجر المشاعر. لغة تحمل داخلها كل أنواع العنف الإنساني عندما يصبح الحب والوحدة ملاذا وانعدام القدرة على الإشباع الروحي والعاطفي والجسدي نمط للحياة…


وهي تفعل ذلك في أحوال تجلياتها بين الرومانسية أو في أطار الواقعية أو عندما تنطلق لتنشئ بُنى أسطورية.
تقول البطلة الساردة في “ليلة فقدت ترتيبها”:

“لِنمُتْ غرباء.. لنركب في زورق الحياة الذي يسير بالاتجاه المعاكس منذ فقدت الحياة بوصلتها، سأعبرك، سأمشي على جثتك “جثتي” بخطى ثابتة، أعجنك بأصبع قدمي الأكبر أسفل ذلك الجمر الأحمر الذي يتفجر في بطنه فوق جلدك الأخرس، لتلد”آهًا” جديدة “آهًا” ممزوجة بموت وندم.. ألم عقيم لن تحمل بطنه نشوة أبدًا..

تجمّد، تبلّد، تمزّق، تهرّأ.. سأقتلك في وجعي، في أرق الثانية صباحًا، سأطعمك خيبتي فيك، كلّ ليلة صفعة، لن يحبل سريرك بي مجددًا”


“لنقلب الصفحة، أو لنمزقها، أو نلقي بالدفتر كاملًا في سلة القمامة.. لا يهم، فالمدينة الحمراء لم تعد تسعنا معًا، لم تعد تحتمل وجودنا فوق سواد أرصفتها، هذه المرة صفعتك كسرت أنفي وأدمت قلبي”..


تيار الوعي:


في ليال الهدنة تصنع الكاتبة ذراها الخاصة عندما تتبنى تقنيات (تيار الوعي) الذي يتلاءم بصورة ملفتة مع إمكانياتها وقدراتها اللغوية.

حيث تقدم عالمها من خلال منظور وحيد فقط وهو وعي البطلة بالعالم وانعكاس أحداثه عليها، ساهم في ذلك أن البطلة كتلة من الأحاسيس والمشاعر الموجهة إلى عالم عجزت عن التوحد معه.


في ليالي الهدنة تجتمع تلك الدلالات التساؤلات وتتزاحم جميعها في عقل البطلة الصغير، لينطق شلال التساؤل هادرا، ذاك الزخم الذُهاني الذي يضطرب في الوعي باللا وعي في سيل جارف وزخم لا ينتج عنه سوي الألم، عبر نص اتخذت الكاتبة من التقنية الوحيدة المناسبة سبيلها، وهو تقنيات تيار الوعي.


الزمكان:


– الخيال الفني ليس مزحة:


في ليال الهدنة ينسال الزمكان بنعومة وسلاسة كومضات مضمنة داخل صيرورة اللغة ونهر التداعي، ، حيث الحكاية مقدمة من ذات البطلة المضطربة إلى وعيها الضائع في سراديب البحث عن الأسباب.

دونما فصل أو انتقال واضح، فالنص حالة من الذُهان وحينا من الهستريا الصاخبة وغالبا فقاعة هشة يجتمع فيها كلا من العشق والوجد والفقد والشعور بالشبع والجوع في أن واحد.


ولأن كلا من الزمان والمكان معلوما لدي البطلة الساردة… فليس ثمة أسباب تدفع البطلة كي توضح أين ومتي؟ إنها تعرفهما جيدا… في ظل هذا الجنون يكتفي العقل بأطلاق المكان والزمان المتعين ضمن ومضات التداعي ككتلة معرفية لا يتوفر لها الزمن في وعي البطلة الساردة للتعبير عنها، حيث تتصدر المشاعر ويسبق زخم وفيض الأحاسيس حاجز الوقت.

تلك الأسباب الفنية والموضوعية تستسلم الكاتبة إلى التركيبة النفسية للبطلة التي لا تتحمل وجود المتلقي، ولا تترجى أو تتلمس وجود أخر، كي تقدم له حكاية ما خرافية كانت أو مأساوية، فهي مكتفية بذاتها، مكتفية بمخاطب وحيد هو ذات البطلة، الذات الساردة.


الشخصيات في رواية ليالي الهدنة:


البطلة الساردة هي شخصية وحيدة رئيسية، في نص يخلو كلية من الأسماء، ويكتفي بالدلالة على شخصياته بضمير السارد أو المخاطب أو تعبيرات إشارية أو مجازية مثل الكهل أو الرجل الخمسيني، وحبيب غير مصرح به على القارئ أن يجمع أشلاءه من ذكريات فتاة مراهقة، فضلا عن مناجاة عابرة إلى الأب من تداعيات الذاكرة.


يدور حضور الشخصيات ، في المنطقة العاصفة من المشاعر الإنسانية، حين يكون البحث عن الحب مطلبا، وتلبية احتياجات الجسد خليط من العذاب والمتعة، والفقد والوحدة والخوف والقلق… وتتعاقب أقنعة الشخصيات بين الحضور الحقيقي والحضور الغائب، ففي الليلة الرابعة بعد الهدنة تجلس البطلة في محطة القطار تعاني من هلاوسها حيث تقول:


” أبحث في الزحام عن وجه اعتدت أن أودعه بقبلتين ومكالمة هاتفية، وشغف كبير لضمة أحملك فيها ببن أضلعي قبل الرحيل… أسرفت في الخيال حتى خيل لي أني أراك في كل قادم…”


الخاتمة:


انظر خلفك بغضب
في مسرحية هنريك ابسن الشهيرة “بيت الدمية”، تغادر نورا منزلها الي الأبد بعد أن سئمت من نفاق زوجها، ونظرته المتعالية إليها، وموقفه المتعصب والمنافق من خطأ ارتكبته من أجله، فقرر أن يحتفظ بها رهينة منزله، رغم غفرانه الزائف المنافق. وهي عندما غادرت منزلها فقد شقت طريقها الي عالم جديد، توجهت من خلاله أوروبا إلى مستقبل متوازن.


هكذا تفعل بطلة رواية ليالي الهدنة، فتقرر بعد خمسة عشر عاما من حياة زوجية ممزوجة بالسخط واستبداد الزوج والمجتمع الذكوري أن تكسر القيود الاجتماعية المفروضة عليها، التي تشل الروح، وتغادر منزل الزوجية بحثا عن بداية غير مأمونة العواقب، ومغامرة قد تعيد لها حق الحياة من جديد.


مسرحية “انظر الى الوراء بغضب” للكاتب البريطاني جون أوزبرون التي صدرت عام 1956. أعلنت عن جيل من كتاب المسرح البريطاني من الشبان الغاضبين، أعقب ذلك ولادة تيار اجتماعي عريض وجه غضبهً ضد المجتمع البريطاني الذي كان لا يزال مجتمعا مغلق شديد التزمت، بات يعيش من دون قضية، بدا خواء بخواء لا آفاق فيه. مجتمع لا يعطي شبابه الفرص التي ينتظرها للانطلاق في حياته.

خشبة مسرح صاخبة:


في (ليلة فقدت ترتيبها) من ليال الهدنة سيفتح الستار عن خشبة مسرح هائلة، أمام جمهور عريض من الحضور، تطلق عليهم (أقاربه)، تضع الكاتبة بطلتها أمام حبيبها الكهل الخمسيني، في مشهد مسرحي صاخب، كي تعلن على الملا قرارها بالهجر والانفصال عنه.


في هذا المشهد الذي يحمل كل صنوف العنف والانتقام. تمثل البطلة الساردة بالحبيب الخمسيني، وتقوم على قتله والِولوغ في دماءه والتمثيل بجثته، وهي تهتف به: سأهجرك.


ويمكن تفسير المشهد أنه يعبر عن خلاص البطلة من عذاباتها، ويمكن الاكتفاء بالقول بأن المشهد يعبر عن قتل الأب البيولوجي، ضمن تفسير فرويدي لعقدة أوديب.


ولكن أيضا يمكن يالقول: إن المشهد المسرحي الصاخب يعبر عن قتل البطلة للأب الاجتماعي الذي تخلي عن أبنائه، وأن المشهد يرقي كي يمثل الصراع الاجتماعي المطمور في باطن مجتمع مأزوم بين أجيال الشباب والآباء الاجتماعيين، وأن النص يحوي نبوءة في داخله، تقول إن أجيال الشباب سوف تنفجر في وجه من خذلهم…

مرة أخيرة ليالي الهدنة:


الآن بت احذر المعني المضمر للعنوان، فعندما غادرت البطلة منزل الزوجية إلى فراغ مبهم، كانت بائسة وحيدة، لكن بطلة ليالي الهدنة تموج أيضا بالصلابة بالقوة، بحب الحياة، بالقدرة على الفعل.


ولهذا تعدد الاحتمالات، فقد يكون مآلها نسيج من خيبات ومتوالية من انهيارات، ولكن هناك احتمالات أخري، وهو أن خروج البطلة من منزل الزوجية قد يعني أيضا أن زمن الهدنة انتهي وان العالم يختمر بحرب مستعرة بين الأجيال الشابة وكل من فرط في المسؤولية تجاه الأجيال الشابة … تجاه الأبناء والأحفاد…
فتحي إمبابي.

فتحي القاضي.

0 تعليقات

    أترك تعليق