قصة بين صانع افلام وروائي.


رواية بدولار

على غير عادة كتاب الروايات بزعمهم أن القدحة الأولى لروايتهم هي من بنات أفكارهم وخيالهم.. أعترف هنا أني أشتريت هذه القدحة. قدحت في رأس أحدهم أولاً ثم سرى مفعولها لاحقاً إلى رأسي. حصل قبل سنوات أن تعرفت على صديق جديد كان قادماً من كندا.

كنت أعرفه قبل اللقاء، أنه إبن أحد أصدقائي، لكنه لم يكن يعرفني. قُدّم لي بوصفه مخرجاً سينمائياً مشغولاً بمشروع فلم جديد. ومنذ البداية لفت إنتباهي حرصه الشديد على الكتمان. يشعر أنه في وسط موبوء بالترصد والسرقة.

ما أن تُطلق الفكرة في مكان حتى تجد من يسرقها. كذلك وجدته يردد كثيراً أسماء مخرجين حصلوا على الأوسكار والموسكار ويعتقد أن ما بحوزته من أفكار، سوف لن يكون حظها بأقل من تلك الأفلام الأوسكارية فيما لو نفذت.

لِمَ لا؟ فقط لم تعجبني فيه هذه الفوبيا، لأني أعتقد أن صناعة الأفلام كما هو الحال في عالم الأدب، لا تعتمد على (ماذا) بل على (كيف). لكن، رغم هذا الحرص، أطلعني على سرّ لا يخص مشروعه الجديد، بل مشروع سيناريو آخر متوقف. وأقول سرّ لأنه هكذا يتعامل مع أفكاره ومشاريعه بوصفها (أسرار عمل).


إذ بعد عدد من اللقاءات تنبه إلى تفصيلة كوني أكتب الرواية. رغم أن الصديق المشترك الذي قدمنا لبعض ذكر له صفتي هذه من اللقاء الأول. ومع هذه المعرفة الجديدة استعاد معضلة سيناريو مؤجل كان قد أغلق عليه في أرشيف رأسه.

أفشى لي بسرّه ولم ينس تحذيري (هاي بيناتنا بس..!!). قال أنه في أحد الأيام سمع حكاية من مصدرها الأول. ويعتقد أنها من الوثائق المغلق عليها في أرشيف منظمة العفو الدولية. وما أن سمع تلك الحكاية حتى ومضت في عين خياله ومضة فلمٍ متكامل الأركان.

لم ينم ليلته تلك ولا الليالي التي تبعتها ومشاهد الفلم المتخيل تترى وتتخاطف أمام عينيه وهو يشحنها بما عنَّ على خياله من فنتازيا، أين منها فنتازيا (أمير كوستريكو) البوسنية- الصربية.

لم أكن أعرف من هو (أمير كوستريكو)، قبل أن يعرفني عليه ويدعني أشاهد أحد أفلامه الذي حصل على الأوسكار. والمشكلة لم يعجبني الفلم. كما ألمحت في البداية، أننا من جيلين مختلفين في الذائقة والتجربة الشخصية.

على أية حال، وبعد أن شعر أنه بات مكتظاً بمشاهد الفلم، قرر أن يضعها على الورق. وتراكم لديه الورق حتى وصل إلى مكانٍ شعر بعده بالنضوب والسيناريو لم يكتمل بعد. وعلى حد وصفه؛ حَرَنَ الفلم مثل أي بغل. وكان المزعج في الأمر؛ أنه لا يعرف لماذا. أعطاني ملف السيناريو وكان كبيراً نسبياً. علّني أجد سبباً لحرنة البغل.


من جهتي ولأنني مهووس مثله، لكن بالحكايات والقصص وليس بالسينما، تعاملت مع الملف كما أتعامل مع نص سردي لا نص بصري. وسرعان ما تكشفت لي العلة؛ لكنها ويا لسوء حظ صديقي؛ من العلل التي لا علاج لها. أنها تتعلق بالإحساس بالمكان الذي كان يشتغل عليه.

وهذا عنصر أساسي لا يمكن بدونه إنجاز أي نص سواء كان سردياً أم بصرياً. الأمر الذي جعله يلجأ إلى حلول للمكان لم تخرج عن خرافة ما يعتقده الغربي أن هذا هو الشرق.. وهؤلاء هم الشرقيون.. مثل أي أوروبي أو أمريكي يريد أن يعمل فلماً عن العراق وهو قبل هذا قد لا يدري أين يقع العراق من مساحة الكوكب ولا تتعدى معلوماته أكثر من خبر أو تحقيق قرأه في صحيفة محلية في بلده عن العراق.

يعرض فكرته على وكيل الإنتاج ليحصل له على تمويل لسفرة عمل (سياحية) إلى العراق، يجمع منها بضعة معلومات ومشاهد ثم يعود ليحشو فراغات الفلم من خياله غير العراقي.


وجدت صاحبي وهو يعالج الحكاية العراقية التي بين يديه، عالقاً بهذه المعضلة الغربية في رؤية الشرق. خائضاً في عالمٍ سمع عن كواليسه وطلاسمه بشكل مشوش. وهذا أمر قد تفهمته. أن الشاب أُبعد عن العراق وهو ابن العشر سنوات.

هرّبه أبوه خوفاً عليه من الخطف على أيدي أجهزة الأمن العراقية، التي كانت تطارد أباه بجريرة اشتراكه في التمرد المسلح المشتعل في شمال العراق وقتذاك. نما الفتى وترعرع بين أوربا وكندا بعيداً عن أسرته وعن أجواء بلده.

الأمر الذي جعل ما كتبه يخرج مهلهلاً بفراغات كثيرة. عمل على حشوها من ذخيرة خيال مخرجي أفلام ما يسمى بالموجة الجديدة (المستقلة) التي تناصب هوليوود الخصومة، رغم أنها لم تكن بأقل من هوليوود في تهجين الشرق.


لم أجد حلولاً تصلح لتحريك بغلته، إلاّ بإلغاء كل حمولتها. بكلمة أخرى إلغاء المشروع. لأن الإحساس بالمكان بالنسبة لي هو شأن شخصي. أما يوجد أو لا يوجد. أمر يتعلق ببيئة الحكاية وأبطالها. لا أستطيع أن أعيره إحساسي دون أن ألغي ملامحه.. وهذا ما لن يقبله وهو المعتد بأحلامه الأوسكارية..!!


لكني، مع هذا استطعت أن ألمح عناصر للحكاية في بضعة صفحات غير متسلسلة، كانت منثورة بعشوائية ومجنحة مثل طيور مذعورة لا تدري أتحطُّ أم تظل طائرة. لم أتمالك نفسي وصرت ربما لأول مرة (أنانياً..؟) مع شخص طلب مساعدتي. أخبرته أني بحاجة إلى هذه الصفحات من الملف. وكانت خمسة صفحات. سألني:


– زين والباقي؟
أجبته وكنت صادقاً معه حد القسوة:
– الباقي لا يصلح لشيء.
أخذه الفضول وهو يضحك كأنه غير مصدق ما سمعه:
– وشراح تسوي بهاي الصفحات..؟


أجبته :
– سأكتب منها وحولها رواية.
– زين وفلمي..!؟
– أنت حر.. تقدر أن تنجزه.. لكن بعيداً عني.
– …..
– هل تبيعني هذه الصفحات..؟

لا أدري إن كان صديقي قد فهمني تماماً أم ما زال يعتقد أن الأمر كله مزحة. أجابني ضاحكاً مرة أخرى:
– وأنا موافق.
– كم أدفع لك؟
– دولار واحد.


فهمتُ لماذا قال (دولار واحد). أنها حكاية أخرى سيأتي ذكرها بعد قليل. بهذا الدولار تبخر حلم صديقي بفلمه الأوسكاري واشتعلت نار الحكاية في رأسي. هكذا أكون قد تعاملت مع شؤون السينما بالمقلوب، بدل أن تتحول رواية إلى سيناريو كما هي العادة، أنا حولت مشروع سيناريو إلى رواية.

ولأن صديقي كان كريماً معي، وعدته؛ إن أنجزت الرواية أعدك بالمساعدة على تحويلها إلى سيناريو من جديد. يكون حق ملكية السيناريو الفكرية لي والإنجاز الفلمي لك. بهذا الشكل أكون قدمت لك المساعدة التي طلبتها.

بقلم الروائي KAREEM KETAFA.

0 تعليقات

    أترك تعليق