قرابين قديمة.



هؤلاء الأطفال في الصورة جميعاً هم عينة من أكثر من 200 طفل مع أمهاتهم جرى تسليمهم في مثل هذا اليوم 9/9/ 1988 إلى قاتليهم. قبل هذا التاريخ بأسبوعين دخلنا نحن (الأنصار الشيوعيون) في أبشع وأندر حصار عسكري ضربه علينا الجيش مع الجحوش الكورد..

أطواق دائرية متداخلة تخترقها بين الحين والآخر طوابير من القوات الخاصة لتنظيف الشباك من العالقين بين الأطواق.. ما الذي يمكن فعله في خضم تلك الشبكة المميتة مع أكثر من 100 ألف إنسان من فلاحي منطقة البرواري والمزوري ودشت نهلة غالبيتهم يقعون تحت عنوان (مدنيين) ومع الجوع والعطش والعراء التام في تضاريس وعرة لا ترتادها غير حيوانات الجبل…؟

كانت خياراتنا مع بيشمركة الحزب الديمقراطي الكوردستاني ومنذ البدء شديدة القسوة، بل هي اللاخيار طالما جردنا ومنذ البداية من إمكانية القتال بين العوائل.. في 6/ 9/ 1988 أعلن النظام عن قرار عفو يخص المقاومين الكورد.. وقرارات أو قوانين العفو تعني العفو ولا شيء غير العفو..

هكذا حاولنا إقناع أنفسنا مجردين من معرفتنا اليقينية أن نظام البعث وصدام حسين لا يخضعون ولا ينطبق عليهم أي قانون أو منطق..

لذا كانت تلك القناعة رجراجة سريعاً ما دحضتها نساء رفاقنا الأيزيديين اللواتي سبق وأن جربنا سجون ومعتقلات ومواقف أجهزة الأمن البعثية.. لكنه عطش وجوع الأطفال وصراخ الرضع الباحثين عن حليب الأمهات الذي نشف من الصدور وحيرة عيون الأمهات الباحثة عن حل..

ثم عجزنا عن تقديمه لهن.. هو ما دفعنا لتثبيت هذه القناعة.. لذا جرى دفع النساء دفعاً وزجراً للإستجابة للقرار حالهن حال ذلك الجيش الجرار من الفلاحين الذين استسلموا وكان معهم غير قليل من بيشمركة (حدك) كذلك..

استسلمت الأمهات والجدات والأخوات مع الأطفال مع عوائل الفلاحين علّها تضيع بين تلك الجموع المؤلفة.. لكن البعثيين لهم ثأر معنا نحن الشيوعيين لا تطفأه كل أنهار العراق..

طبقوا العفو على الفلاحين وعوائلهم وحتى على البيشمركة.. أخذوهم إلى مجمعات ومن ثم أطلقوهم.. أما عوائل رفاقنا الأيزديين ومنذ البدء عزلوهم وسجنوهم في قلعة (نزاركي) في دهوك.. ظلوا هناك بضعة أسابيع ثم اختفت أخبارهم تماماً..

واليوم وبعد ما يقارب الثلاثة عقود على تلك المأساة لم يعثر أحد على رفاتهم رغم كثرة المقابر الجماعية التي جرى اكتشافها على طول خارطة البلد.. أين أخذوهم.. ماذا فعلوا بهم..؟


أسئلة كانت وما زالت تبحث عن من يجيب عنها.. ولعل أول من عليه تقديم هذه الأجوبة هي تلك الوزارة التي أبتكرها أقليم كوردستان باسم (وزارة المؤنفلين)..!!!


هذه كانت هي السابقة للمأساة اللاحقة التي قام بها مجرمو داعش 2014 مع الأيزيديين من سنجار وغير سنجار.. المأساة الأولى اجترحها البعثيون تحت شعارات القومية والعروبة.. أما الثانية فاجترحوها بعد أن ارتدوا جبة الإسلام تحت شعارات عقيدة الإسلام.. وفي الجريمتين كان الأيزيدية هم الضحايا..!!!!!!!!


الذكر الخالد لأولئك الضحايا الذين دفعوا حياتهم ثمناً لخيار يقينا لم يكن خيارهم.. وهل للأطفال من خيارات.. والصبر للآباء الذين تجرعوا مرارة ذلك الثمن القاسي بل المرعب..!!!

بقلم الروائي والصحفي رضا الاعرجي.

0 تعليقات

    أترك تعليق