زوجات كتّاب الرواية, كيف تقتل الأرنب؟



ثمة هاجس أقرب للحسرة ينتاب كثراً من فصيلة كتّاب الرواية اسمه (زوجتي هي القارئة الأولى).. والجميع كما يبدو لي مأخوذين بالساحر ماركيز الذي صدّر (مارسيدس) بوصفها قارئته الأولى.. لا أدري لعل ماركيز وهو الكاذب المدهش وكتاب الروايات هم كذبة بامتياز حين يتحدثون عن أنفسهم، صدّر مارسيدس إلى جلسائه ونقاده ومحاوريه بوصفها شخصية روائية أكثر منها واقعية.

لا يهم. اصطدمت بهذا الهاجس وأنا أقرأ رواية الكاتب العراقي (صلاح صلاح)(*) المعنونة (كيف تقتل الأرنب).. وهي رواية خطيرة إلى حد خشيتي من أن تقع بيد أحد عنصريي الغرب ويعمل على ترجمتها إلى إحدى اللغات العالمية، لتتسبب بكارثة لملايين المسلمين الذين توزعتهم منافي الأرض.

رغم أن كل ما جاء في هذه الرواية من وقائع تخص مسلمي المنافي وبعد إزالة توابل السرد، هو حقيقي تماماً.. إنحرافاتهم الأخلاقية المبررة دينياً.. كراهيتهم للآخر.. تحايلهم على قوانين البلدان التي استضافتهم.. إرتباطهم المرضي بالتدين الشكلي.

صراعاتهم من على طرفي المتراس المذهبي الشيعي/ السلفي..إلخ والرواية خطيرة كذلك، بسبب لغتها.. لغة.. كيف أصفها.. لغة بلا قيود.. أتخيل أن فصولاً كثيرة منها كتبت تحت سطوة خمر مغشوش.. أنا شخصياً من أنصار الرواية التي تستخدم كل مستويات وأنساق اللغة بما فيها لغة الشارع لتعكس وبصدق مستوى وعي وبيئة الشخصيات.

يعاني الراوي (والراوي ليس بالضرورة هو الكاتب) من عُقَد كثيرة مصدرها أبناء جلدته.. ومنها عقدة (زوجتي غير مثقفة).


منذ نزول العائلة سلّم الطائرة في مطار تورنتو الكندي، نصطدم بهذا الانفصام بين الزوج والزوجة إلى حد تحوله مع سياق الرواية إلى شرخ كبير. بين المثقف الحالم بكتابة كتابه الأول ولا يجد المناخ والبيئة التي تحقق له حلمه المؤثث بسيّر كتاب عالميين (ارنست همنغواي، جيمس جويس، فوكنر، ماركيز..إلخ)

والزوجة التي تعيش الواقع كما هو بتضاريسه ومتاهاته، لعائلة هاربة من واقع الحصار العراقي والمارة بعذابات المحطات الوسطى بين كندا والعراق.. أحلامها متواضعة لا تعدو عن الإستقرار وحماية أطفالها. ومنذ الصفحات الأولى يبدأ الإشتباك اللفظي هو لا يراها إلا (زوجة غير مثقفة، متخلفة، غبية..) وهي لا تراه إلا (غبي وفاشل وحقير ومستعد للإستحمار..)

وهنا الكثير من توابل الشارع العراقي البذيئة دخلت على توصيفات الإثنين لبعضهم.. يا إلهي يا رب القحاب لماذا لا تكون لي زوجة على الأقل تشبه (هدية حسين).. يقصد زوجة المرحوم الكاتب عبد الستار ناصر وهي كذلك كاتبة رواية رائعة والاثنان أصدقاء الكاتب. هنا يتواضع الراوي ولا يقول مثل مارسيدس زوجة ماركيز..!!..


لا أظن أن زوجة على كوكب الأرض بكامل قواها العقلية (أو زوج؟) يسعدها أن تجد شريكة لها في زوجها، تقاسمها الساعات والأيام وحتى فراش الزوجية.. الكاتب شخص لا يعيش الواقع كما هو.. تجده على الدوام مشغول بالبحث عن عوالم أما تنتمي للماضي أو للمستقبل.. تستفزه صغائر الأشياء التي يخلق منها عوالم مدهشة.. متخم بالنرجسية.. لذته مع الكتابة تشبه اللذة الجنسية حين يختلي بأوراقه أو شاشة كمبيوتره..

وإذا كانت عملية الكتابة لا تستهلك من وقته غير ساعات قليلة، فأن الصفنات كفيلة باستهلاك كل يومه.. والصفنة غياب. يضاف إلى هذا بلوى أخرى تخص هذه المرة الكاتب باللغة العربية.. أنه لا يكتفي بالعمل على كتابه لسنين بالمجان دون أي عائد مادي.. بل ومنهم من يدفع من جيبه لدور النشر لتنشر كتابه..

والعملية الأخيرة تكون في الغالب هي القشة التي تكسر ظهر العلاقة الزوجية لآثارها المباشرة على دخل الأسرة.. علماً أن ليس كل الكتاب يتوفرون على مهارة التسلق على أبواب مؤسسات البترودولار الخليجية.. لهذا وذاك من الطبيعي أن يكون رد فعل الزوجة أنها لا تحفل بما يكتبه زوجها.. ولن تكون لا قارئته الأولى ولا حتى الأخيرة.

كثيرون يخفون هذه الحقيقة كاتمين معها ألمهم والقلة فقط من يتجرأ على قولها. قد تضغط الزوجة على نفسها وتجاري زوجها في بدايات حياتهم، لكن، لا ضمان أن حبل صبرها سيطول.. عاجلاً أم آجلاً ستنفجر بوجهه.


يقول (س) تفاجأت أن زوجتي تضعني أمام خيار بائس (أما أنا.. أو الكتابة)..!! حتى تحول اليوم الذي أدخل البيت وبيدي كتاب إلى يوم شؤم وزقنبوت لا أدري كيف سينتهي وكأني أحمل منشوراً سرّياً ضد الحكومة والأمن متربص في زوايا بيتي.. (ص) اللاجئ في بلد أوربي أحرقت الزوجة كتبه وألبوماته وطردته من البيت ليقضي أيامه مشرداً بين بيوت الأصدقاء، رغم أنهما تزوجا إثر علاقة حب وتحملت معه كل تضاريس رحلة العذاب إلى المنفى.

(د) وضعت له الزوجة خطاً أحمر عليه أن لا يتجاوزه؛ لك أن تتحدث في البيت عن كل شيء باستثناء شيء واحد؛ لا تحدثني عما تكتب.. اكتب لحالك.. أما (ح) فمحنة زوجته أعظم.. أنها رضخت لإرادته أن يحولها إلى مثقفة رغماً عن أنفها، ويقولها ما لا تدري كيف تقوله، لكثرة ما يتحدث به عبر الهاتف إلى أصدقائه من مواهب متخيلة لها..

ومع عالم الفيسبوك صارت الشاشة الزرقاء هي الوجه الآخر لحياتهم الشخصية.. لا يمر يوم دون صورة للقارئة الأولى.. يصور لها لقطات منتقاة.. يصورها وهي مستغرقة على الكنبة تقرأ إحدى مخطوطاته.. يصور نزهاتهم في الكواليس الخلفية للمدينة مع تعليق (قالت لي –الزوجة- أتخيل رواد هذه الحانة شخصيات ماركيز..!!)..

صور لدعوات في مطاعم مع شلة كتاب.. صور.. صور.. حتى غدت حياة المسكينة معه صوراً وتاه عليها الواقع..


أعتذر من (صلاح صلاح)، ما كتبته لا أعده قراءة لهذه الرواية الصادمة والمدهشة، فقط اتخذت منها ذريعة للدخول إلى موضوعي.

بقلم الروائي KAREEM KETAFA.

0 تعليقات

    أترك تعليق