الشعر والسرد الروائي.



قيل أنها روح كونية متاحة لكل كائن.. ليست حكراً على الشعراء.. شرطها الوحيد سلامة مستقبلات الكائن.. هي كامنة فينا وخارجنا.. في مناجاة المريض.. في تفجع المكلوم.. في تهويمات العشق.. في خوف الإمهات.. في انتظار المجهول.. في ترقب الموت.. بل قد نجدها حتى في حديث الباعة والمشترين في السوق..!!

أما في السرد الروائي فهي تنضح من بين ومن خلف السطور.. فقط لو كتب الروائي نصه بصدق وتجرد وإخلاص.. سيجد تلك الروح ترفرف على نصه دون أن يستدعيها أو قل يفكر بها..


رواية الألماني (إريك ماريا ريمارك) التي جاءت تحت عنوان (كل شيء هادئ في الميدان الغربي) والتي اعتبرت من كلاسيكيات روايات الحرب؛ هي مثال على ما أقول؛ لقد حفلت بكم هائل من الشعر.. لكنها ظلت رواية.

لقد أذهلتني الصورة الشعرية التالية التي كانت عبارة عن مناجاة جندي قتل للتو جندياً من (العدو) وظل محاصراً معه طيلة النهار في ذات الحفرة.. ليكتشف بعد حين وبعد أن يقلب مفكرته.. أن الضحية ما هو إلا جندي مثله.. ومن عائلة فقيرة وبائسة كعائلته هو..


” أيها الزميل.. لم أكن أنوي أن أقتلك.. ولو وثبت إلى هنا مرة ثانية فلن أفعل شيئاً يضرك،
إذا أمسكت يدك عني.. لكنك كنت فكرة تجسمت في خيالي قبل مجيئك، وشغلت فراغ ذهني، وكان لا بد لها أن تلقى نهايتها المحتومة.. أنا لم أطعنك.. وإنما طعنت هذه الفكرة المخيفة التي تسلطت علي.. فكرة المباغتة والمفاجأة.


لكني أرى الآن، وللمرة الأولى.. أنك إنسان مثلي. كنت أفكر من قبل في قنبلتك اليدوية، وفي حربتك، وفي بندقيتك. أما الان فلست أرى إلا زوجتك.. ووجهك.. وزمالتك. أغفر لي أيها الزميل وأصفح عني.

فنحن لا نفتح أعيننا إلا بعد فوات الأوان. لِمَ لا يقال لنا أنكم بؤساء مثلنا، وأن أمهاتكم يتلهفن لوعةً وجزعاً مثل أمهاتنا، وأننا جميعاً نشترك في الخوف من الموت، وأننا سواء في الإحتضار والنزع؟


أصفح عني أيها الزميل.. كيف يمكن أن تكون عدواً لي؟ لو أننا طرحنا هذه البنادق والكسى العسكرية، لما كنت إلا أخاً لي.. مثل كات وألبرت. خذ عشرين سنة من حياتي أيها الزميل، وقم. بل خذ أكثر من هذه المدة.. فلست أدرى بعد الآن كيف أنتفع بهذه الحياة “.

بقلم الروائي KAREEM KETAFA.

0 تعليقات

    أترك تعليق