حوارات العراب.



بين وحيد الأسود وماريو بوزو ثمة تفصيلة مشتركة، تخص الرقم (40). الأول وفي أحد الأعراس التي يُدعى لها غالباً في مدينة (الثورة) البغدادية، غنى أغنية (أنا المسيكينة) وكانت الأغنية لحناً وكلمات وأداء هي ملك صرف له. سمعها أحد مالكي ستوديوهات تسجيل الأغاني في بغداد وسأله أن يبيعه حقوقها. الأمر الذي أدهش (وحيّد)، إذ لأول مرة يتعرف على خرافة اسمها (الملكية الفكرية).

كان في ذهنه قبلها أن الأغنية ما أن تغادر حنجرة المغني حتى تتحول إلى ملك مشاع لمن يريد ويرغب في ترديدها.. وكلما كان عدد المقرصنين أكثر كلما كانت محل زهو وفخر له.

عرض عليه ذلك الرجل أول سعر وقبله دون جدال بل وكان ممتناً وكان السعر (40) دينار عراقي. ومعروف لاحقاً ماذا حدث لتلك الأغنية التي عبرت شهرتها الحدود.. لم يبق مطرب أو مطربة أو ملحن لم يسطو على لحنها. كانت أغنية فرح وبهجة رغم الفجيعة التي تتضمنها كلماتها عن بيع وشراء البنات تحت يافطة الزواج..


هذا ما يخص (وحيّد الأسود). أما ما يخص ماريو بوزو الأمريكي من أصول إيطالية وصاحب التحفة الأدبية (العراب)، فأنه كتب هذه التحفة لغاية وحيدة؛ ألا وهي أن يسد ديونه المتراكمة.. رواية بمواصفات السوق كما يلح الناشرون في طلباتهم للكتّاب.. أنسوا وأنتم تكتبون خرافة الفن والإبداع وو وو فكروا في السوق..

يقول كتبتها للحصول على مبلغ 20 ألف دولار هي آخر رقم أحلم به وهو في الحقيقة مجموع الديون المتراكمة عليه. وبعد سلسلة خيبات مع الناشرين، ولأن التقاليد الأدبية هناك كانت وما زالت أن ثمة وسيط بين الكاتب والناشر هو الوكيل الأدبي الذي يعرف شؤون وشجون السوق ويعرف لمن يقدم المشروع الذي بين يديه.

نصحه هذا بمقابلة أحد الناشرين الذي وافق على سماعه. ناشر أعطى من وقته ساعة كاملة يستمع فيها إلى رواية تسرد عليه شفهياً، لأنها لم تكتب بعد. وبعد أن أفضى الكاتب كل ما عنده، وافق الناشر على تبني المشروع وسلمّه 5000 دولار سلفة على الحساب. ولأن الكاتب من النوع المقامر والعابث ومدمن ديون، صرف المبلغ ولم يكتب بعد.

لذا وجد نفسه يتوسل سلفة أخرى، أعطاه هذه المرة عشرة آلاف دولار. تفرغ بعدها للكتابة وأنجز الرواية في ظرف ثلاث سنوات، والحقيقة هو لم ينجزها لكن إلحاح الناشر والوكيل جعله يسلم مسودة أولى ناقصة وفيها الكثير من العيوب. أخذها الناشر وقبلها المحرر على عيوبها.


بعد بضعة أيام يتلفن له الوكيل ويفاجئه بما لم يجروء على الحلم به؛ أخبره أن السعر الأولى الذي دُفع لشراء حقوقها من قبل ناشر آخر هو 375 ألف دولار، لكن ناشرك رفض السعر ووضع لها سعر 410 ألاف دولار. وفعلاً بيعت الرواية بهذا السعر.. وتالياً قفزت أرقام البيع للملايين قبل أن تدخل عالم السينما.

ولما جاء ماريو بوزو يريد أن يفرح أمه وزوجته وعائلته عارضاً عليهم هذا السعر المهوّل بالنسبة لهم، أحد لم يصدقه.. ظلت أمه تقول لمن يسألها: ماريو باع كتابه بـ(40) ألف دولار. وحين يصحح لها: ماما عشرات المرات أعدت الرقم عليك.. ليس أربعين الف بل أربعمئة ألف وخلي فوقها عشرة آلاف.. تجيبه.. أنا لحد الان ما مستوعبة الرقم الأول يا حبيبي.


الرواية كانت تحفة أدبية نادرة في حينها. اجتزأ منها الحوار التالي كنموذج لمدى العمق الفلسفي لموضوعها. كان العراب بالنسبة لمحيط نفوذه هو الإله على الأرض، إله قادر على كل شيء. هذا هو يانسو مستشاره وساعده الأيمن وهو في سكرات الموت يناشد العراب:


– بادرينو .. بادرينو ..! أنقذني من الموت، أرجوك، أن لحمي يحرق عظمي، وأحس دوداً يتآكل نخاعي. أشفني، يا عرّاب. أنت قادر على ذلك. جفف دموع زوجتي المسكينة، حين كنا صبيين، كنا نلعب معاً في كورليون. أنك لن تدعني أموت. أنني أخشى ألجحيم، فقد أثمت كثيراً.

كان دون كورليون يلتزم الصمت. واستطرد أبانداندو:
– أنه يوم عرس ابنتك، فأنت لا تستطيع أن ترفض ما أطلبه منك..
وانتهى الأمر بالدون كورليون إلى أن يرد برصانة على هذا الهذيان التجديفي، فقال بهدوء:


– يا عزيزي وصديقي القديم. أنني لا أملك هذه القدرة التي تنسبها إليّ، ولو كنت أملكها، لكنت أرحم من الرب، أؤكد لك ذلك. ولكن لا تخشى الموت، ولا الجحيم. سأقيم صلاة من أجلك كل صباح. وفي كل مساء ستصلي زوجتك وبناتك من أجل خلاصك. فأنى للرب أن يدينك أذا طلبت منه الرحمة جميع هذه الأصوات..

حاول المريض الاعتراض فقاطعه دون كورليون بصوت قاس تقريباً:
ـ أنت تجدف.. أنت تجدف.. يجب أن تستسلم
وسقط أبانداندو من جديد على وسادته، وفقدت عيناه شرارة الأمل المستطار..

بقلم الروائي KAREEM KETAFA.

0 تعليقات

    أترك تعليق