القلم!! “حكاية”



… في أحد أيام كورس الكتابة السردية والذي بدأت فيه علاقتي بهذه السيدة تأخذ المنحى الحميمي، طلبت هي من كل دارس أن يختار شيئاً شخصياً يكون معه الآن، ثم يتحدث عنه بجمل تنتمي للسرد الأدبي.

وللسهولة اختار كثيرون من الدارسين صوراً من محفظاتهم، في الغالب لعوائلهم، أم، أب، زوج، زوجة، إبن، بنت..إلخ

والبعض اختار حلي؛ خاتم زواج، قلادة. وكان الأمر سهلاً للجميع. حتى وصلني الدور ورأسي مفرّغ من أي شيء. لم أجد بين يدي شيء استطيع التحدث عنه.

كنت في ذلك اليوم قد نسيت محفظتي، على الأقل كانت فيها صورة تجمع زوجتي وأبني الكبير.. كذلك لم تكن عندي حلي ذهبية ولا غير ذهبية، حيث خاتم زواجي اشتريت به مهداً للطفل.

لا شيء استطيع التحدث عنه والعيون تبحلق فيَّ منتظرة. نكست رأسي وصرت أحاول مداورة الأمر مع نفسي.. وكنت في حينه أداور القلم بين أصابعي.. حتى وجدتني أنطق؛ بصوت أكاد القول أنه لم يكن صوتي. قلت:
– سأتحدث عن القلم..!


أدار الجميع رؤوسهم إلى زاويتي في طرف الطاولة المستطيلة.. ماذا بوسعي القول عن القلم.. القلم الذي بين يدي لم يكن قلماً استثنائياً، هو كغيره من الأقلام التي وزعت علينا مع القرطاسية. نظرت إلى المعلمة، وجدتها قد حركت كرسيها إلى الأمام ووضعت كفيها أسفل حنكها مستندة على الطاولة ومعلنة جاهزيتها للاستماع. كنت في شرك.

لكني نطقت بذلك الصوت الذي لم يكن صوتي. قلت:
– أنا أثق بالقلم أكثر من ثقتي بكثير من البشر. توقفت لأستحضر الجملة التالية؛ وأرنو إلى عيون الدارسين والمعلمة؛ واجمين يكتنفهم استطلاع فضولي. العيون تقول: وماذا بعد؟ واصلت:


– هو أهم اختراع أوجده الإنسان. لولا القلم لما وصل الإنسان إلى ما وصل إليه الآن. بفضله، عرفنا أن تأريخنا شديد القدم.. عرفنا بمخترعات أسلافنا البعيدين.. بفضله طورناها واخترعنا غيرها.. بفضله وصلت إلينا الأديان وبفضله نظم الإنسان المجتمعات وسن لها القوانين وسهّل التواصل عبر القارات والبحار.. القلم أداة الإنسان المقدسة..!!


توقفت كمن يهرب من الشرك الذي علق به. لكني حين استرجعت ما قلته، وجدته كأنه أتى من تلقاء ذاته، لم يكلفني جهداً في ترتيبه، كذلك استغربت لجرأتي ولطلاقتي العجيبة.. هي المرة الأولى التي أتحدث فيها أمام جمع بهذا الكم من الجمل.. قبل هذا كنت على الدوام مستمعاً لا متكلماً.. عادة ما أجد حرجاً من الكلام. إنصات الدارسين وعيون المعلمة المشجعة للمتابعة، جعلوني أواصل:


– لكن للأسف، أن ماضي القلم العظيم وحاضره الزاهي لا يشبهان مستقبله. ينتظر القلم مستقبل مظلم وحزين. ضاقت العيون والحواجب تقوست تستفهم عن هذا المستقبل.

قلت:
– مستقبل القلم هو التالي: معلمة جميلة.. وبفعل لا إرادي نظرت إلى معلمتي.. تأخذ أطفال صفها في رحلة إلى المتحف. تدخل المتحف والأطفال خلفها، تتوقف عند كل فاترينة من فاترينات المتحف لتشرح عن محتوياتها شيئاً للأطفال الفضوليين..

تمر على فاترينة زجاجية صغيرة، موضوعة على دكة حجرية سوداء عالية، تستقر في وسط الفاترينة اسطوانة من الرخام يستلقي في وسطها القلم. تكاد المعلمة أن تتجاوز الفاترينة، لعل أن ما فيها كان شيئاً صغيراً.. يستوقفها أحد الأطفال الفضوليين:


– معلمتي! ما هذا؟
يشير الطفل بإصبعه الصغير إلى القلم. تعود المعلمة أدراجها:
– آه.. عندك حق.. هذا كانوا يسمونه قلم. في العصور القديمة، كان أسلافنا يستخدمون هذه الأداة في تدوين أشياءهم.

وعموماً في التواصل فيما بينهم. اختراع جميل ها؟
يهز الطفل الفضولي رأسه دلالة الإبهام. لم يفهم الكثير عن هذا الاختراع الصغير. لكن المعلمة في استعجال من أمرها، ما زال أمامها الكثير من الفاترينات التي عليها أن تشرح عنها لأطفالها. يظل القلم في محبسه يتطلع برأسه المدبب إلى فضول ومرح الأطفال…


توقفت. وجدت رأسي قد فرغ تماماً وعاد كما كان قبل النطق. المفردات قد تبخرت والقصة تلاشت. وإذ طال صمتي.. قامت المعلمة من كرسيها وصارت تصفق، تنبه الدارسون، انتشلوا أنفسهم من الصمت وصاروا هم أيضاً يصفقون. شعرت بالحرج والإرباك والتعرق.. جاءت المعلمة من مكانها إلى مكاني مدت لي يدها أخذتُ يدها وأنا أردد:


– شكراً. شكراً.
سحبتني إليها وقبلتني على خدي. زاد ارتباكي.. ومعه تعرقي.. وبدأت علاقتي منذ تلك اللحظة تأخذ المنحى الذي لم أحدثكم عنه مع هذه السيدة الجميلة

بقلم الروائي KAREEM KETAFA.

0 تعليقات

    أترك تعليق