الشعر والمقاومة.


حين يكون الشعر متراساً وحيداً للمقاومة..!؟
أحزان السنة العراقية (نموذجاً).. للشاعر خزعل الماجدي
كوني كائناً ببعدين أحدهما لا يرتوي إلا بالشعر، كنت أعاني من الظمأ للشعر. أقرأ قصائداً ولا أجد فيها شعراً.. ولسان حالي يلهج بـ: كيف يظمأ من ولد في أرض الشعر.. ألم ينصح (محمود درويش) من يريد الشعر أن يكون عراقياً أولاً..

لسنين طويلة يأست من البحث عن ديوان الشعر، قبل أن أصطدم بـ(أحزان) خزعل الماجدي وسنته العراقية الحزينة..!! للصدق لم أسع لها وإنما هي من سعت لي. في جلسة تعارف أولى مع الشاعر (الماجدي) رتب لها أحد الأصدقاء المشتركين، أخبرني وبتواضعه الذي خبرته لاحقاً؛ أن له مشروعاً شعرياً يعتقد أنه سيكون متفرداً عن سواه وهو بحاجة إلى مساعدتي..

أما نوع المساعدة التي قصدها عندي، فهي لم تتعد مهارة التمكن من صف الحروف بواسطة (الكيبورد) بسرعة تفوق سرعة الكتابة بالقلم كما وصفها له الصديق المشترك، وهي مهارة صقلتها عندي سنين من العمل في دور النشر ومن علاقتي القديمة مع الكمبيوتر حين كان بحجم (كنتور ملابس أبو بابين) أدخل فيه لأعمل عليه.

عبرتُ في ذلك اللقاء عن استعدادي للمساعدة وكنت لم أزل مسكوناً بهاجس أن الرجل واصل للتو من (بغداد)، المدينة التي يتناهشها كل أجلاف الصحراء وهو تاركاً فيها ولده قد خُطفَ من أمام أحد المساجد بأيدي قتلة مسرنمون بالدماء ولا يعرف شيئاً عن مصيره.

عندها أذهلتني قدرته فوق الطبيعية (كما أراها للآن) على الكتمان والتناسي والانسياق وراء عالمه الشعري. لأعرف لاحقاً أن الشاعر قد اتخذ ومنذ زمن بعيد من الشعر وحده متراساً وحيداً للمقاومة.


لا أريد من هذه الشهادة نقداً أدبياً.. ما أنا بناقد وقد لا أكونه، أريد فقط في هذه المساحة الصغيرة لفت الإنتباه إلى أهمية هذا الإنجاز الاستثنائية.

بتقديري أنه أرّخ أبشع سنة في تاريخ العراق؛ أنها (2006) السنة الكارثية التي ستؤرخ بها الأجيال القادمة تاريخ العراق الحديث بـ(قبل الطوفان وبعده).

أرّخها شعراً بـ 365 قصيدة كل يوم قصيدة. روزنامة شعرية بامتياز. قد يستطيع الشاعر أي شاعر أن يكتب كم من القصائد، لكن أن يكتب كل يوم قصيدة يؤرخ بها تفاصيل ذلك اليوم شعراً وقافزاً بين الحين والآخر لمتشابهات حدثت في ماضي هذه الأرض.. أنه لعمري تفرد يحسب له.

رغم أن هذا لم يكن هو التفرد الوحيد في هذه المجموعة التي أسمح لنفسي بوصفها بـ (الإلياذة العراقية).. إذا كانت إلياذة هوميروس دارت حول صراع أصله كان بين ثلاث آلهات لينتقل لاحقاً إلى البشر ليخوضوا صراع آلهتهم.. فأن ما حدث في (2006)

اختزل كل بلاوي البلد من احتلال وإرهاب وتخلف وانعدام دولة إلى صراع بين (نواصب) و(روافض) حول حقوق كانت تعود لآئمة وخلفاء كلهم مقدسين. ليواصل البشر في هذا الزمن وبعد أكثر من ألف عام ذلك الصراع القديم حول الحقوق الإلهية المقدسة بين معسكرين تقاسما الخراب من أطرافه كلها..

كيف لشاعر أن يخوص في أعماق هذه المأساة وهو مكلوم بأعز ما يمكن أن يحصل عليه الإنسان وهو الإبن.. المنتظر أنه سيكون متحاملاً، ناقماً، كارهاً، يائساً.. ولن يجد من يلومه.. لكن أحزان السنة العراقية كان بعيدةً عن كل هذا.. أعتقد من فضائل الشعر أنه يحمي صاحبه من الحقد والكراهية والثأر..

حسام القاضي.

0 تعليقات

    أترك تعليق