الديكاميرون وألف ليلة وليلة ذاكرتا شعوب.



حين يكون الأدب والفن هما ذاكرة الشعوب..
إذا جاز القول أن (ألف ليلة وليلة) قدمت لنا عصر ازدهار الإمبراطورية الإسلامية من بغداد، بعوالمها الخيالية والواقعية، فأن (الديكاميرون) قد عرفتنا على أعظم وأخطر مرحلة مر بها الجنس البشري، ألا وهي انهيار القرون الوسطى في أوربا وبدايات (عصر النهضة).

الديكاميرون:

كتبت في القرن الرابع عشر. في هذا القرن حدثت كوارث وأوبئة كثيرة أشهرها؛ حرب المئة عام بين فرنسا وأنكلترا وكارثة الطاعون التي قيل أنها قضت على ربع سكان القارة. وإذا كانت شهرزاد هي الراوية الوحيدة لألف ليلة وليلة..

فأن الديكاميرون روتها سبع سيدات وثلاث شبان من داخل مبنى كنيسة مهجورة. قال عنها اللاحقون من النقاد والمتأدبين؛ انها أنموذج احتذى به فن الرواية، على الأقل في الإطار العام للفن السردي وتقنياته.. رغم أن الديكاميرون لم تكن رواية بل مجموعة قصص قصيرة (مئة قصة).


جيوفاني بوكاشيو صاحب الديكاميرون
:


ممكن قول الكثير عن هذا الكتاب وكاتبه (جيوفاني بوكاشيو)، الذي عاصر (دانتي أليجيري) صاحب (الكوميديا الإلهية) و(مايكل أنجلو) صاحب المنحوتات الشهيرة.. إلاّ أني سأختصر المنحى الذي ذهبت إليه (المئة قصة).. إذ وجدت ما يشبه الخيط الرفيع يسري في جسد القصص المئة ليعطيها بالتالي الملمح الأرأس لوظيفتها.

ولم تكن تلك الوظيفة سوى تصوير مرحلة إنهيار السلطة الدينية التي كانت جاثمة على صدور المواطنين. مستخدمة وربما للمرة الأولى في ذلك الزمن، اللغة المحكية لعامة الشعب في الكتابة وليست اللغة المتعالية المستخدمة من قبل رجال الدين ورجال البلاط بعامة (اللاتينية). في هذا القرن بدأت اللغات الأوروبية تخرج تدريجياً من معطف اللغة اللاتينية وتتبلور بمثابة لغات وطنية.


ولعل القصة الثانية من هذه المجموعة، كفيلة بإعطاء الصورة المراد توصيلها للقارئ. سأحاول هنا اختصارها قدر الإمكان:


((جيانوتو رجل مسيحي مستقيم أراد يوماً أن يجعل صديقه اليهودي إبراهام أن يتحول إلى المسيحية. وكان يتألم لأعتقاده المؤكد أن مصير روح هذا اليهودي الذي يحبه ستذهب إلى الجحيم. ولكثرة إلحاح هذا الرجل المستقيم، وافقه صديقه (الضال) إنما بشرط..


– أنظر يا جيانوتو، أنت تريدني أن أتحول وأنا قررت إرضاءك.. لكن ليس قبل أن أذهب إلى روما.. إلى حيث الذي تسميه أنت (نائب الرب) على الأرض. سأدرس أساليبه وعاداته وأساليب وعادات أخوته الكرادلة. فإذا ما اقتنعت بها، فإنه قد يتاح لي، مع شروحاتك، أن أتحول إلى ديانتكم.. أما إذا حدث العكس فسأبقى يهودياً مثلما أنا حتى الآن.. وتكف عني..


حين سمع جيانوتو هذا الكلام، أحس بحزن شديد، وقال لنفسه: لقد ضاع سدى كل ما بذلته من جهود، وكنت أظن أنني قد نصّرته، لأنه إذا ما ذهب إلى روما ورأى حياة المجون والكفر التي يعيشها رجال الكنيسة، فلن يتوقف عند عدم التحول إلى المسيحية، بل سيتحول إلى اليهودية لو كان مسيحياً. ثم التفت إلى صديقه محاولاً ثنيه عن عزمه..
………..


لكن إبراهام أصر على مشروعه وذهب إلى هناك ورأى ما رأى.. أن رجال الدين يرتكبون المعاصي دون حياء.. ويقدمون على الفاحشة ليس بالطرق الطبعيية وحدها، وإنما بأساليب اللواط أيضاً، دونما كابح من ضمير أو حياء.. إلى حد أنه لا يمكن الحصول على شيء دون الإستعانة بما للبغايا والغلمان من نفوذ واسع.. والجميع يحبون الأكل والشراب وبشراهة..

وكلما ازداد تعمقاً وجدهم أكثر جشعاً وتلهفاً للمال.. أنهم يبيعون بالمال دم البشر، وحتى دم المسيح. ويتاجرون بالمقدسات.. ويعقدون صفقات تجارية ويحققون أرباحاً لا يمكن تحقيقها بوسائله هو تاجر الأجواخ..
وهنا نبضّ في إبراهام العصب الحساس، عصب التاجر. ليعود إلى صديقه في باريس جيانوتو الذي كان يائساً تماماً من تحوله.. وإذا به يفاجأه بـ:


– إذا كنت قد حافظت على تشددي وتمنعي حيال دعواتك، ولم أشأ التحول إلى المسيحية، فأنني أخبرك الآن بكل صراحة بأنني لن أتخلى عن التحول إلى المسيحية مقابل أي شيء في الدنيا.. فهلم بنا إذن إلى الكنيسة..))…!!!!

بقلم الروائي KAREEM KETAFA.

0 تعليقات

    أترك تعليق