التلقين!! “قصة”



الحقيقة هي من طرقت بابي.. امرأة أربعينية بكامل حجابها وأنوثتها.. لم يسعفني أرشيف ذاكرتي باستعادتها من أي مكان أو زمان يخصني.. لم أرد على تحيتها لإنشداهي بتفحص إنوثتها الفائرة وهي تتفجر من ثنايا الجلباب أمام وجهي.. وحين دخلت وأغلقت الباب بنفسها تطاول حوار العيون حتى اعتقدت أننا تجاوزنا المرحلة الشفوية في التعارف.. ولأني أعشق حرق المراحل، حاولت الدخول مباشرة في المرحلة التحريرية قبل أن يستوقفني كفها.

نط بوجهي كف زاجر آمر مع تبدل ملامح الوجه والعيون من الابتسام إلى التأنيب: على كيفك..!!
– يعني شنو..؟
– لقنّي بالأول..!
– ألقنك..!؟
– آني ما أسوي شيء بالحرام..!!


تلخبطت أسلحتي وعادت إلى مواضعها قبل الفوران.. حتى أني فكرت بالإنسحاب وما زلت أعيد استحضار وجوهاً وأمكنة كنت فيها علّني أعثر على أثر لها.. ثم قالت رداً على صمتي المصدوم:
– جارك دزني عليك.


انقشعت سحب الحيرة والصدمة والبحث اليائس في الذاكرة. لكن، ما أغباني، كيف نسيت أني رجوت جاري الساكن الشقة التي تقابلني أن يبحث لي عن شخص ما رجل أو أمرأة لينظف لي الشقة المتروكة من سنة مقابل أجرة.

لا يا خبيث يا جاري العزيز.. لماذا لم يعلمني.. !! تحولت من مهاجم أراد اقتحام الميدان إلى مدافع ضعيف لا يدري كيف يعتذر ويبرر سوء نيته.. المرأة قادمة لتساعدني وأنا متلبس بنوايا السوء.. لكن ما أدهشني أن كلمات اعتذاري كانت تتساقط عند قدميها ولا تدخل إذنها، كأني أعتذر لكائن آخر.

عيونها تتلفت في الاتجاهات بما فيها السقف وتأففها أشعرني ليس بنفاذ الصبر بل وبالسخرية من هذا الأبله الواقف أمامها واعتذاراته الغبية. خرجت من تأففها وسخريتها وارتدى وجهها الجميل قناع الجد والحسم:
– هاي شبيك.. ما تعرف تلّقن؟


دخل الهدف الأول في مرماي.. التلقين من جديد ومخي الثخين لم يتعرف بعد على أي وظيفة لهذه المفردة غير وظيفة وحيدة.. بمشهد وحيد.. رجل دين يلقن جثة ميت بما يسمونه (العديلة) بماذا عليه أن يقول لو سأله ملاكا الرب منكر ونكير في أول أيام استقباله في العالم الآخر.. هل تبدلت وظيفة هذه المفردة دون أن أدري..؟


– يعني شلون..؟
– أسمع دا أكلك.. وراي شغل..
حاولتُ التذاكي:


– انا أريد تنظيف الشقة.. وهي أمامك كما ترينها مغبرة ووسخة.. هل هذا يحتاج تلقين..؟
بدل وجهها قناع الجد لابساً الحيرة هذه المرة. لعلها حقاً وجدت نفسها في حيرة أمامي… ثم قالت بنفاذ صبر:
– أكلك أنت لوتي… لو تريد تستلوت براسي..!!!؟


هدف ثاني في مرماي:
ندمت على ما قلته وعدت إلى سوء نيتي القديمة:
– طيب.. لقنيني أنت..


لا أدري هل هي صرخت بوجهي أم أني تخيلت الأمر، رغم أن ضحكتها الداعرة خففت من وقع ذلك الصراخ الزاجر المؤنب:
– ومن فينا الرجل؟
– آه ه هه..
يبدو أبو مخ الثخين فهم الفلم بعد الهدف الثالث:
– أقصد علميني ماذا أقول.


تخافت ضحكها وتغيرت سحنة السخرية والأنطلاق التي كانت عليها.. الواضح أنها فكرت بالإنسحاب من حيث أتت.. وأنا الآن أصرُّ على سوء نيتي.. أريدها هي ولا أفكر بتنظيف الشقة لتذهب الشقة إلى الجحيم.. لكن كيف لي بفك شيفرة التلقين التي تبدو ضرورية لهذا الموقف.. ولكي استبقيها أو أخرج من الحرج قررت الاعتراف بغشاميتي صراحة:


– لماذ لا تريدين تصديقي.. أنا فعلاً لا أعرف كليشة التلقين.. سمعت بها.. لكن لا أعرفها.. أرجوك علميني..
تجعدت ملامح وجهها الجميل وتحول المشهد بكليته من جسد فائر إلى جلباب ينضح بالمعوذات الثلاث.. وقبل أن تفتح الباب بنفسها مرة أخرى، لتخرج، رمتني بهذا السؤال اللغز:


– أنت مسلم..!!؟

حينها اقتنعت أن هذه السيدة كانت صادقة تماماً في تدينها.. وأني لست فقط موغل كثيراً في استهتاري وبعدي عن الدين.. بل وبعدم صلاحيتي لأي مباراة جادة..

بقلم الروائي KAREEM KETAFA.

0 تعليقات

    أترك تعليق