نابوكوف الأمريكي الناقد لعنصرية أمريكا


حسب تصور فلاديمير نابوكوف، كانت الفراشات في أتلانتا (ولاية جورجيا) قليلة جداً.
وفي رسالة إلى زوجته فيرا بتاريخ 11 أكتوبر 1942، اشتكى الكاتب وخبير الحشرات من أن المدينة كانت أعلى بكثير من مستوى سطح البحر (1000 قدم) لذلك يصعب صيد الفراشات.


كان نابوكوف في أتلانتا لحضور مؤتمر تنظمه “سبيلمان” وهي كلية خاصة للفنون الحرة للفتيات السود أو الأمريكيات من أصل أفريقي، وقد أمضى فيها ستة أيام القى خلالها سلسلة من المحاضرات عن الشاعر الروسي الكسندر بوشكين (كان جده الأكبر من أصل حبشي)، وخضع لطقوس الصلاة اليومية والأغاني الدينية التي يشتهر بها الجنوب الأمريكي (كان ملحداً مُعلناً)، كما جلب مجموعة من الطالبات ليصطدن الفراشات في حدائق الكلية. وكان أبرز ما في رحلته الخطاب الافتتاحي: “بوشكين الشاعر… بوشكين الرجل”.


عاش نابوكوف (1899ـ 1977) لمدة عشرين عاماً في الولايات المتحدة (1940- 1960)، واستطاع تحقيق أكبر نجاح أدبي مع روايته “لوليتا”. وعلى الرغم من أنه وُلد في سان بطرسبرغ إلا أنه تخرج من جامعة كامبريدج البريطانية، وعاش عقدين في أوروبا لينتهى به المطاف في أمريكا، وكان يصر على وصف نفسه ككاتب أمريكي.
في مقابلة مع مجلة “باريس ريفيو” عام 1967 قال نابوكوف: “أنا كاتب أمريكي من أريزونا”، وكان قد انغمر عاطفياً في الأدب الأمريكي مؤجلاً تسديد ديونه تجاه ثقافته الروسية الأصلية.


أصبح نابوكوف ناقداً بارزاً للحياة الأمريكية، ومراقباً لتحولاتها الغرائبية، فبرع بشكل خاص في نقد الذوق السئ للطبقة الوسطى الأمريكية ونزعتها الاستهلاكية، وحذر من عدم الاهتمام بالشباب الأمريكي ما دفع جون أبدايك، الروائي والشاعر والناقد الأمريكي الشهير للقول: “لقد أعاد نابوكوف اكتشاف وحوشنا”.


حدث معظم كل هذا في ما سمي بـ “الفترة الأمريكية” لنابوكوف حيث كان الكاتب يقوم بتدريس الأدب الروسي في جامعة نيو إنجلاند من عام 1941 إلى عام 1948، وفي جامعة كورنيل من عام 1948 إلى عام 1959. وكانت تصوراته للمشهد الأمريكي تغطي جزءا صغيراً فقط من واقع البرجوازية الأمريكية، أو “المجتمع العالي” بتعبيره، وما هو عليه من عنصرية، فالوثائق المتعلقة برحلته إلى سبيلمان تساعد على فتح هذه الدائرة لنقف على آرائه بشأن “قوانين جيم كرو” المتعلقة بالفصل الاجتماعي والتي أصبحت مشروعة في كثير من الأجزاء الجنوبية للولايات المتحدة.


كان وصف السكان من أصل أفريقي بـ “الزنوج” يثير أعصاب نابوكوف لأنه يذكره بملاك الأراضي القساة في غرب روسيا، وأصبح مدركاً للدور الحاسم الذي لعبه الفصل في الحياة اليومية للجنوب، وكثيراً ما أشار إلى العبث الناجم عن هوس البيض بإبقاء الأعراق مقسمة وفقاُ لألوانها.


كان أكثر ما أعجب نابوكوف هو إمكانية إلقاء محاضرة عن بوشكين الذي يُعتبر في كثير من الأحيان أب الأدب الروسي الحديث، ولكنه لا يزال غير معروف على الإطلاق خارج العالم الناطق باللغة الروسية. كتب نابوكوف إلى فيرا: “محاضرتي عن بوشكين (دم أسود) قوبلت بحماس هزلي تقريباً”.


كان نابوكوف يصطف ضد القوانين المتعلقة بالزواج المختلط التي تعكس قلقاً متأصلاً لدى البيض الجنوبيين حول اتحاد الأعراق المختلفة، إذ غالباً ما يتم إعدام السود إذا اشتبه في وجود رغبة في اقامة علاقة بين الأعراق. وقد نشرت الصحيفة الطلابية (سبيلمان مسنجر) مقالاً حول زيارة نابوكوف جاء فيه: إن إشارة الكاتب إلى أسلاف بوشكين المختلطة الدم قد تركت بصماتها بوضوح، فهو [بوشكين] كان يطمح دائماً الى تحقيق حلمه بالكتابة تحت أشعة الشمس الإفريقية، أرض أجداده التي تم خلط دمها الأفريقي بدماء النبلاء الروس.


لن تظهر مسألة الزيجات المختلطة في أعمال نابوكوف إلا بعد حوالي ثلاثة عشر عاماً، من نشر “لوليتا” في عام 1955، وهي الرواية التي عرّفها نابوكوف بأنها “قنبلة موقوتة”، كما كتب إلى صديق أمريكي. وفي مقًالته “حول كتاب يسمى لوليتا”، كتب نابوكوف: هناك ثلاثة موضوعات يعتبرها الناشرون الأمريكيون من المحرمات: الاستغلال الجنسي للأطفال، الإلحاد (مع دلالات باحتمال الشيوعية)، والزواج بين الزنجي والأبيض، أو العكس.


في المقابلة المذكورة مع “باريس ريفيو” سئل نابوكوف عن موقفه من السياسة (الأمريكية) المحلية، أجاب بحزم: “أنا ضد الفصل العنصري”. ربما وجد الكاتب الذي حاول طوال حياته أن يظل مستقلاً، وليس جزءا من مجموعة فنية أو حركة أدبية، شيئاً بغيضاً في التصنيف العنصري. وفي الواقع، كان أكثر ما أثار اهتمامه حول الفراشات هو نزعتها المجازية للفردية، وقد لاحظ بدقة الاختلافات المجهرية للأجنحة التي جعلت كل فراشة فريدة من نوعها.
كان نابوكوف، بعد كل شيء، كاتباً معادياً للسياسة…


حرمته السياسة من وطنين (روسيا وفرنسا) ومن والده الذي اغتيل في العاصمة الالمانية برلين عام 1922 على يد عملاء للقياصرة الروس. ووفقا له: كان الفن والخيال وسيلتّي لتجاوز الواقع السياسي القاتم.

بقلم رضا الاعرجي

0 تعليقات

    أترك تعليق