غراهام غرين وماركيز وفيدال كاسترو.


في 19 يناير 1983 توقف غراهام غرين مدة عشرين ساعة في هافانا، وقد وصلها على طائرة تابعة لحكومة نيكاراغوا برفقة خوسيه دي خيسوس مارتينيز، الشاعر البنمي وأستاذ الرياضيات الذي كان من أقرب الرجال إلى الجنرال عمر توريخوس، واستقبلهما مسؤولون كوبيون في المطار وفق بروتوكول كبار الزوار لكن دون أن يكشفوا للصحافة عن تلك الزيارة إلا بعد انتهائها.


تم نقل الزائرين إلى منزل مخصص لرؤساء الدول الصديقة، ووضعت تحت تصرفهما سيارة مرسيدس بنز سوداء من تلك التي استخدمت فقط خلال اجتماعات القمة السادسة لدول عدم الانحياز قبل أربع سنوات لم يكونا بحاجة إليها، في الواقع، لأنهما لم يغادرا المنزل، حيث زارهما بعض الأصدقاء الكوبيين القدامى.


بالكاد تناول غرين (1904-1991) الطعام في تلك الساعات العشرين، لكنه شرب زجاجة النبيذ الأحمر الإسباني الجيد، كما استهلك، خلال إقامته السريعة، ست زجاجات من الويسكي، وعندما غادر ترك انطباعاً بأنه لم يعرف متى وصل وبمن التقى، كما يحدث لأحد شخصيات رواياته التي تعذبها حالة عدم اليقين بالله.


قام ماركيز بزيارة غرين بعد ساعتين من وصوله بعدما تلقى منه مكالمة هاتفية بمجرد معرفته بوجود الكاتب الكولمبي في المدينة، وهذا ما جعلنه يشعر بسعادة غامرة، ليس فقط بسبب الإعجاب القديم بالكاتب البريطاني الشهير ولكن لأن سنوات عديدة مرت منذ آخر مرة التقيا فيها عندما سافرا إلى واشنطن ضمن الوفد البنمي للتوقيع على معاهدة القناة.


في تلك الزيارة الأمريكية تكهنت بعض الصحف أن دعوة غراهام غرين وغارسيا ماركيز كانت بمثابة مناورة من توريخوس لتزيين وفده باسمي كاتبين مشهورين بيد أن ماركيز قال في مقال “عشرون ساعة لغراهام غرين في هافانا”:

كان علينا أن نتعامل مع مفاوضات المعاهدة أكثر بكثير مما افترضته الصحافة، فلم يكن السبب في ذلك كما ذكرت بل لأن الجنرال توريخوس أراد من مرافقتنا لوفده إلى واشنطن أن يسخر ودياً من صديقه الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، ذلك أن غرين وأنا مثل الكثير من الكتاب والفنانين الآخرين في هذا العالم مُنعنا من دخول الولايات المتحدة لسنوات عديدة لأسباب لم يستطع حتى الرؤساء أنفسهم شرحها، والجنرال توريخوس كان مصمماً على حل هذه المشكلة، حيث أثارها مع العديد من كبار المسؤولين الأمريكيين الذين زاروه في ذلك الوقت، وأخيراً أخذنا إلى الرئيس كارتر الذي أعرب عن دهشته، ووعد بحلها في أقرب وقت ممكن، لكن نفد الوقت قبل إعطاء إجابة شافية.


يضيف ماركيز: توصل توريخوس إلى فكرة تهريب غراهام وغرين وأنا إلى الولايات المتحدة، واقترح على غرين أن يتنكر بصفة قائد الحرس الوطني إلا أن غرين الذي هو أكثر جدية مما قد يبدو في بعض كتبه لم يقبل بواحدة من أطرف النكات المعتادة للرئيس البنمي، ولكن عندما اقترح علينا حضور حفل توقيع المعاهدة بصفتنا الشخصية، وبجوازات سفر بنمية رسمية مع وفد ذلك البلد، قبلنا الدعوة بسرور طفولي، لذلك وصلنا معاً إلى قاعدة أندروز العسكرية ببنطلوني جينز فيما كان أعضاء الوفد يرتدون ملابس سوداء وهم في كامل التأهب على وقع اطلاق المدفعية 21 اطلاقة وعزف النشيد الوطني الأمريكي. لكن كارتر لم يضحك عندما أخبره الجنرال توريخوس بحكاية الدعوة، ولم يظهر لنا لمعان أسنانه البيضاء.


في حوالي الساعة الواحدة صباحاً، قام فيدل كاسترو بزيارة غرين، وكانا قد التقيا في بداية الثورة، في وقت مبكر جداُ، عندما حضر غرين تصوير فيلم (رجلنا في هافانا – 1959) المأخوذ عن رواية له بنفس الاسم، كما التقيا عدة مرات، في زيارات غرين الدورية لكوبا، لكن، على ما يبدو، لم يريا بعضهم البعض في آخر زيارتين، فعندما تصافحا بوجود ماركيز، قال غرين: لم نر بعضنا البعض منذ ستة عشر عاماً، وبدا كلاهما صامتين، ولم يكن من السهل عليهما بدء المحادثة، لهذا السبب سأل ماركيز غرين عن حقيقة لعبة الروليت الروسية التي ذكرها في مذكراته، فقال:

حدث هذا عندما كنت في التاسعة عشرة، وقد لعبتها مع أخي بمسدس قديم وفي أربع مناسبات مختلفة. لم يستطع كاسترو تجاهل معلومات مثل هذه دون أن ينفد إلى التفاصيل فسأل عن عدد المقذوفات التي كانت في المسدس. أجاب غرين: ستة. بعد ذلك، أغلق كاسترو عينيه وبدا كما لو كان يعد أرقاماً، وأخيراً، نظر إلى الكاتب وهو مذهول وقال: وفقاً لنظرية الاحتمالات، يجب أن تكون ميتاً.

رضا الاعرجي.

0 تعليقات

    أترك تعليق