الكاتب المصري يوسف زيدان


قبل عام 2009 لم يكن الكاتب المصري يوسف زيدان معروفاً على نطاق واسع، ففي ذلك العام فازت روايته “عزازيل” بجائزة “البوكر” العربية المرموقة، لتلقي به تحت الأضواء الكاشفة، وتجعل منه نجماً ساطعاً بين نجوم الرواية العربية.


قلما تثير الأعمال الروائية الجمهور الواسع، لكن “عزازيل” باعت أكثر من مليون نسخة، وحظيت فور صدورها باهتمام النقاد والقراء على حد سواء، حيث ظلت مدار انشغالهم وجدالهم، على مدى أسابيع، ليس لقيمتها الأدبية وحدها، وانما لموضوعها الذي نال بسببه نقمة الكنيسة القبطية في مصر.

كونه اتخذ من راهب قبطي يشك في ايمانه بطلاً رئيساً سيتخلى في النهاية عن قبطيته وينضم إلى طائفة مسيحية أخرى بعدما يجد نفسه غير قادر على التوفيق بين معتقداته وبين ما يشاهده من وحشية الكنيسة في سحق أتباع غيرها من الطوائف. وهنا تتشكل قناعاته الدينية من خلال المحادثات بصوته الداخلي، عزازيل، أحد الأسماء التوراتية للشيطان.


كان زيدان يؤكد دائماً أن الرواية محض خيال ينبغي قراءتها على أنها دعوة إلى التسامح، ورفض التعصب والعنف وجميع أشكال القمع المرتبطة بالدين، كما هو الأمر في واقعنا الحالي، إلا أنه فشل في ايصال رسالته في أوساط “الكنيسة” القبطية، كما فشل أيضاً في إيصال ذات الرسالة إلى أوساط “الأزهر” عندما أصدر، في التوقيت نفسه تقريباً، كتاب “اللاهوت العربي واصول العنف الديني” إذ جره إلى المحاكم بتهمة ازدراء الأديان، فيما “الكنيسة” كانت قد اكتفت ببيانات استنكار فقط.


مشكلة زيدان أنه لم يُفهم جيداً لأنه لم يُقرأ جيداً، وكثيرون ينظرون اليه من زاوية (من ليس معنا فهو ضدنا)، وقد أثارت دعوته لحضور معرض الكتاب في أربيل ردود فعل متباينة، فهناك من أبدى ارتياحاً بدون حدود، وهناك من استنكر بشدة، وهذا ما يحصل في العادة حيال جميع الشخصيات المختلف عليها.


وزيدان شخصية خلافية بامتياز، وهو يمارس حفرياته في الموروث الثقافي والديني وتفكيكه، وبذلك يثير سخط العقائديين المتشبثين بقناعات ثابتة لا تتزعزع من مكانها، ويزيد من قلقلهم، وعدم استقرارهم النفسي والذهني، فيهاجمونه دون هوادة، ويعدون اجتهاداته الصادمة انحرافات، وقد صدمهم مرات كثيرة. مرة حين نفى حادث الإسراء والمعراج، وأخرى حين اعتبر صلاح الدين (أحقر شخصية في التاريخ).

ولعل أقوى صدماته كانت في حديث تلفزيوني أن المسجد الأقصى موجود في منطقة الجعرانة بالطائف وليس في القدس، وأن القدس لا ذكر لها في القرآن.


لا ينطلق زيدان من فراغ. وإذا كانت سمعته كروائي قد سبقته إلا أنه باحث متخصص في الدراسات العربية والإسلامية، وقد درس الفلسفة وحصل على الدكتوراه في التصوف وأسسه الفلسفية، وأنجز تحقيق ما يساوي 35 ألف صفحة من صفحات التراث العلمي الاسلامي، عدا كونه أستاذاً جامعياً، ومحاضراً، ومؤلفاً غزير الإنتاج له أكثر من 50 كتاباً.


منذ زمن طويل ومجتمعاتنا العربية غافية على ما تعتبره حقائق أزلية لا يأتيها الباطل من بين يديها أو من خلفها، وجميع الحكومات الرجعية والتقدمية وحتى تلك التي تدعي العلمانية سعت لإبقائها على غفوتها بالتدجين والإخصاء والتخلص من كل صاحب رأي حر مستقل يسبب لها الصداع.


زيدان، وقد تغول الظلاميون، وهيمنت أحزاب الاسلام السياسي المتوحشة، وتسيد الإرهاب عواصم الشرق الكبرى، هو اليوم: قارع الأجراس، وصانع الصدمات، والقاتل والقتيل.

بقلم الصحفي رضا الاعرجي.

0 تعليقات

    أترك تعليق