التحرشات الجنسية وجائزة نوبل.


بعدما تلوثت بفضيحة تحرش جنسي، وفقدت الكثير من بريقها نتيجة ذهابها لكثيرين دون جدارة واستحقاق (أورهان باموق وسفيتلانا أليكسيفيتش وبوب ديلان على سبيل المثال)، ها هي جائزة نوبل تفشل في ترتيب أوضاعها واستعادة ثقة العالم بها، رغم سنة كاملة من التريث وتعيين أعضاء جدد في لجنة الاختيار.


الفشل لا يتجلى فقط في فوز البولندية أولغا توكاركوك بالجائزة مع وجود مرشحات أكثر أهمية منها، وانما في منحها لبيتر هاندكه الذي يعرف عنه دفاعه عن الفاشيين والقوميين الصرب ومعارضته لغارات (الناتو) الجوية ضد صربيا في حروب كوسوفو في التسعينيات، ومشاركته في جنازة الزعيم الصربي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش عام 2006. وقد سارعت منظمات واتحادات أدبية أمريكية وأوربية إلى استنكار قرار لجنة نوبل واعتبرته أكبر من فضيحة بل قراراً مخزياً، فالرجل الذي قام بتمجيد “جزار البلقان”، ودعم الإبادة الجماعية لا يستحق الجائزة المرموقة.


وبالمناسبة، هاندكه ليس نمساوياً قحاً فهو ولد في النمسا لأم سلوفينية وأب الماني، ويعيش في باريس منذ عام 1990.
وليست هذه المرة الأولى التي تسقط لجنة نوبل في امتحان الاختيار..
عندما فاز الكوميدي والكاتب المسرحي الإيطالي داريو فو بالجائزة في 1997، جاء الإعلان بمثابة صدمة لكثير من نقاد الأدب الذين رأوه مجرد فنان وليس شخصية أدبية حقيقية ذات مكانة دولية. وكان أن رد عليهم في البيان الذي القاه في حفل نوبل وحمل عنوان “ضد المهووسين بالتشهير والإهانة”.


وثمة سقطة تبدو بعيدة عن الأذهان بفعل الزمن وهي منح رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل للآداب عام 1953 عن أعماله المكتوبة رغم أن معظمها مذكرات وخطب سياسية، والمفارقة أن لجنة نوبل بررت منح الجائزة لإتقانه الوصف التاريخي والسيرة الذاتية والخطابة للدفاع عن القيم الإنسانية العليا!


هذه القيم الإنسانية العليا! كانت وراء حصول الكاتب البريطاني جوزيف روديارد كيبلينج، الذي أمضى طفولته المبكرة وبعض حياته الراشدة في الهند، على الجائزة عام 1907 رغم ما عرف عنه من اشادة بالاستعمار البريطاني.
دعونا نضع جانباً الافتراض بأن جائزة نوبل للآداب تذهب كل عام إلى “أعظم” كاتب في العالم، يكفي النظر إلى تعقيدات الترشيح والتحكيم، والتأثيرات السياسية، والتحيز الثقافي، والمعرفة المحدودة بثقافات شعوب كثيرة، وعدم القدرة على التمييز بين “الأهم” و”الأفضل” لندرك أن شفافية الجائزة أمر مستحيل، ولا يمكن الدفاع عنها، عدا أنها تتجاوز الأسماء الأدبية الكبرى، أو تمنح، في أحسن الأحوال، لأدباء متفاوتي المستوى كـ (حل وسط).

رضا الاعرجي

0 تعليقات

    أترك تعليق