عاشوراء المغرب: طقوس احتفالية يتقاطع فيها الدين مع السحر والميثولوجيا


على الرغم من منعها لما تخلفه في أحيان كثيرة من حرائق وأحداث مأساوية، تتعالى هذه الأيام أصوات المفرقعات والألعاب النارية التي يطلقها الأطفال، في كل مكان من المغرب، معلنة عن الاستعداد للاحتفال بعيد عاشوراء في العاشر من محرم.


فعلى العكس من الطقوس الحزينة التي تجري في العراق وإيران ولبنان ومناطق أخرى من العالم الإسلامي، يعتبر المغاربة هذا اليوم عيداً دينياً كبيراً لا يقل أهمية عن عيدي الفطر والأضحى، حيث يحتفلون فيه بالصيام وإخراج الزكاة وتقديم الهدايا لأطفالهم، ولنسائهم الحناء والحلوى.


وفيما يتميز المراكشيون بإحياء حفلات “الدقة” التي تشتهر بها مدينتهم التاريخية مراكش، يوقد ساكنة البادية النار في التبن وجريد النخل محدثين ما يسمونه “الشعالة” ثم يتقافزون عليها. أما أهالي تارودانت فهم منذ عقود طويلة يحيون عيد عاشوراء على طريقتهم الخاصة مطلقين عليه اسماً آخر هو “ليلة البركة”.


وقد ترددت الحكومات المغربية بعد الاستقلال (1956) بين فاتح محرم والعاشر منه أيهما يكون عطلة رسمية، وبعد أن اختارت العاشر من محرم عدة سنوات عادت لتتخذ من فاتح محرم يوم عطلة أسوة بالدول العربية والإسلامية وذلك اعتباراً من سنة 1382 هـ.


ولطالما أثار هذا العيد المغربي دهشة “المشارقة” من الشيعة كونه يصادف مقتل إمامهم الثالث الحسين بن علي بن أبي طالب في موقعة كربلاء (61 هـ 680 م)، وظل السؤال يتردد دائماً: هل الأمر يتعلق بتقليد أموي؟


والواقع، لا يوجد اتفاق على مرجعية عيد عاشوراء، فمن قائل انه اليوم الذي تقابل فيه آدم وحواء لأول مرة في هذه الدنيا بعد طردهما من الجنة، وأنه اليوم الذي خرج فيه نوح من سفينته بعد انحسار الطوفان، وان العرب كانوا يصومون هذا اليوم قبل الإسلام، وظل المسلمون الأوائل يصومونه، وهناك من يقول إن الرسول أمر أصحابه بتعظيم يوم العاشر من محرم وصومه على أنه يوم موسى وأن العرب أحق بأحيائه من اليهود.


أما المؤرخون فيرون إن عيد عاشوراء دخل في العادات المغربية منذ القرن الثالث الهجري إبان المد الدعائي الشيعي على أيام الفاطميين، إذ عرف المغرب في لحظة من لحظات دولتهم شكلا من أشكال الاحتفاء بذكرى عاشوراء ثم تغيرت طبيعته مع سقوطها فصار عيداً لإظهار الفرح نكاية بهم.


ومهما يكن من أمر، فان الاستعدادات للاحتفال بعيد عاشوراء تبدأ مباشرة بعد عيد الأضحى، وتتعدد مظاهر الاحتفال وتتنوع وتأخذ طابعاً مميزاً عند سكان الجزء القديم من المدن المغربية، ويمارس الصغار ألعابهم النارية وهم يطوفون في الأزقة بمواكب صاخبة مطلقين ألعابهم النارية التي تثير الفزع في نفوس الصغار والكبار، خصوصاً بعدما دخلت أشكال جديدة من “المفرقعات” و”الصواريخ” و”المسدسات” البعض منها له صوت شبيه بالذي يطلق من الأسلحة الحقيقية.


في طقوس عاشوراء، التي تصل ذروتها ليلة العاشر من محرم، يتقاطع الديني مع السحري مع الميثولوجي، وبين روائح البخور التي تحرق في البيوت وقاية من كل أذى مفترض، وإيقاعات الطعارج والبنادر (الدربوكات والدفوف) وأصوات النساء التي ترتفع للغناء، تجري الممارسات السحرية من منطلق الاعتقاد السائد بنجوع فعل السحر عندما يتم تنفيذه ليلة عاشوراء، كما تستغل نار “الشعالة” لحرق أعشاب ومواد تستخدم في مثل هذه الطقوس: عظام بعض الحيوانات أو الطيور، وقطع من جسم المسحور كالشعر والأظفار وقطع الثياب.


وعادة ما يقوم المغاربة في يوم التاسع (تاسوعاء) من محرم بزيارة قبور الأقارب وتقديم الصدقة للفقراء. وفي اليوم الموالي، (عاشوراء) يجتمع أفراد الأسرة للاحتفال بهذه الذكرى فيتم توزيع الفواكه الجافة وهي عبارة عن خليط من التمر واللوز والتين. وعند أذان المغرب يخرج الرجال كباراً وصغاراً إلى الجامع وهم في كامل زينتهم، وبعد الصلاة يجتمعون في ساحة هناك، أما النساء فيرتدين أجمل ملابسهن ويتحلين ويكتحلن ويطلين سوالفهن بالحناء والزعفران، ويتطيبن بالطيب لا فرق بين متزوجة وعازبة، ولا بين صغيرة وكبيرة، فالأمهات يتفنن في تزيين بناتهن حتى بنت السنوات الست تتزين بكامل زينتها كأنها عروس.


ويلاحظ باحثون مغاربة انه على الرغم من الطابع الصاخب الذي تتخذه أغاني النساء في طقوس عاشوراء فان ما يدور حول موت “عيشور”، وكذلك كيفية إنشادها تجعل من الصعب القول بأنها تعبر عن الفرح، أو عن الفرح فقط، لاسيما وأن بعضها يؤدى بنغمة حزينة صريحة تضفي على المناسبة طابعاً ميلودرامياً، وهو ما يدفع بعض الباحثين للقول إن أجواء عاشوراء لا تخلو من “النفحة الشيعية”.


وتبقى ظاهرة رش المارة بالماء إحدى الظواهر المرتبطة بعيد عاشوراء وقد تؤدي أحيانا إلى نشوب عراك، إضافة إلى مظاهر احتفالية أخرى مثل استعمال الرجال لمادة الكحل، إلى غير ذلك من طقوس وتقاليد ما تزال موضع اهتمام الانثروبولوجيين للكشف عن الغموض الذي يكتنف إحياء هذه المناسبة على مستوى المرجعية التاريخية والثقافية والحضارية، والبحث عن اصل هذه المظاهر الاحتفالية المتميزة والمتجذرة في الحياة المغربية.
ـــــــــــــــــ
رضا الأعرجي

0 تعليقات

    أترك تعليق