ثورة الطلبة التي غيرت العالم


في مايو/أيار 1968 شهدت فرنسا أحداثاً عاصفة عرفت بـ «ثورة الطلبة» التي أسست لنمط جديد من العلاقات الاجتماعية ذات الطابع التحرري، في جميع الميادين، واعتبرت أيامها أخطر حركة احتجاج في النصف الثاني من القرن العشرين.


كانت الثورة قد بدأت في شهر شباط من ذلك العام باحتجاج قاده عدد من الطلبة في جامعة «نانتير» إحدى ضواحي باريس، ثم جاء الانفجار انطلاقاً من جامعة السوربون وذلك في 3 أيار، يوم دخلتها الشرطة لمنع انعقاد مهرجان طلابي دعا له “الإتحاد الوطني للطلاب الفرنسيين”، ما أدى إلى معركة دامية مع الطلاب.


وفي 6 أيار جرت تظاهرة ضخمة أدت أيضا إلى اشتباكات مع السلطة.
وبين 6 و10 أيار جرت تظاهرات واضرابات شملت أكثرية الجامعات والمدارس الفرنسية.


ويسجل للطلاب الفرنسيين قيامهم بنضالات عديدة وشديدة ضد النظام منذ بداية الستينات لمساندة نضال الشعب الجزائري، وعادوا من جديد إلى التحرك في 1965 دعما لكفاح شعوب الهند الصينية. ووصلت المجابهة مع النظام ذروتها عند احتلال الطلاب لمباني معهد نانتير في 22 آذار، احتجاجاً على إعتقال الشرطة لعضو من “الشبيبة الشيوعية الثورية”، حيث عمد الطلبة إلى إبدال الصفوف الدراسية بمناقشات سياسية، وكذلك إنشاء حركة 22 آذار التي ضمت أبرز القوى الثورية على الساحة الطلابية والتي لعبت دوراً هاماً في الأحداث.


وسرعان ما اندلعت مظاهرات الطلبة مثل النار في الهشيم: وارسو، برلين، روما، شيكاغو ومكسيكو حتى أصبحت نموذجاً لحركات الاحتجاج في جميع أنحاء العالم، وكان من نتائجها وضع النهاية لحالة الاستقرار السياسي لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وكسر طوق كل الرقابات إذ ترتب عليها تغيير كبير في البنى الاجتماعية ـ الثقافية ليس في فرنسا وحدها بل في عموم أوروبا والغرب الرأسمالي.


يقول الكتاب الأمريكي مارك كورلانسكي، وكان أحد المناهضين النشطين لحرب بلاده في فيتنام وممن وقفوا الى جانب الثورة الطلابية: «لم يكن هناك عام يشبه عام 1968، ولا يبدو أن عاماً مثله سيتكرر مرة اخرى». ويضيف: «أية محاولة للتقليل من موضوعية أحداث عام 1968 ستكون أمراً غير عادل».


وفي أعقاب الثورة كتب ميشيل دو سيرتو، المؤرخ والباحث الإنثروبولوجي، وأحد مريدي عالم النفس الفرنسي الشهير جاك لاكان مقالاً حماسياً بدأه بجملة رددها بعده ادغار فور السياسي الفرنسي ورئيس وزراء فرنسا لفترتين، كما سجلها الرئيس الفرنسي جورج بومبيدو في مذكراته. تقول تلك الجملة: «لقد أخذنا الكلام في شهر مايو الماضي كما تم الاستيلاء على الباستيل عام 1789».


من المفارقات التي حصلت خلال تلك الثورة محاولة اعتقال الفيلسوف الفرنسي الشهير جان بول سارتر على أساس أنه «رأس الأفعى» فيها لكن الجنرال شارل ديغول «رأس السلطة» رد على الذين نصحوا باعتقاله: لا أستطيع ذلك، سارتر هو فرنسا.

بقلم رضا الاعرجي.

0 تعليقات

    أترك تعليق