الصحافة والارتزاق والأقلام الأجيرة



بين يدي الآن الجزء الأول من كتاب “محكمة الشعب” وهو خاص بقضية المؤامرة العراقية، على عهد الملكية، لقلب نظام الحكم في سوريا، وفيها يحاكم اللواء غازي الداغستاني وعدد من ضباط الجيش بتهمة التخطيط للمؤامرة المفترضة بدعم بريطاني وامريكي.


ولمن لم يدرك تلك الفترة، أسوق هذه المعلومة المختصرة:
تشكلت المحكمة العسكرية العليا الخاصة التي عرفت باسم “محكمة الشعب” في أعقاب ثورة 14 تموز 1958 لمحاكمة الوزراء والمسؤولين في النظام الملكي، وقد ترأسها العقيد فاضل عباس المهداوي ابن خالة الزعيم الركن عبد الكريم قاسم قائد الثورة ورئيس وزراء أول جمهورية في تاريخ العراق المعاصر. وكانت تعقد جلساتها في “قاعة الشعب” في منطقة باب المعظم قرب مبنى وزارة الدفاع في بغداد، وكان يتم نقل وقائعها على الهواء مباشرةً عبر الراديو والتلفزيون.


ما يعنيني من الكتاب الاشارات حول الرشاوى التي كان يقدمها العراق للصحف السورية لما لها من دلالة تاريخية، وإن لم يرد ذكرها بالأسماء، لأن مثل هذه الرشاوى تتم بعيدا عن الأعين، وفي سرية بالغة.
من هذه الإشارات ما جاء في شهادة يوسف الكيلاني وكيل وزارة الخارجية: الاموال المخصصة للدعاية في وزارة الخارجية 150 الف دينار سنويا، (بما فيها الولائم التي تقيمها السفارات والمفوضيات في الخارج) وهذا المبلغ يكاد يكون ثابتا من سنة لأخرى.


ويبدو واضحا، أن حجم المبلغ ضخم جدا بحساب تلك الفترة، حيث كانت عائدات العراق من النفط التي تشكل الجزء الأكبر من الميزانية المالية السنوية، بين 1950 و1957 تبلغ 995 مليون دولار سنويا.


ومنها ما جاء في شهادة عبد الجليل الراوي الوزير المفوض في دمشق خلال سنتي 1956و1957: في سوريا عادة (وفي غيرها) دائما يدفع الى الصحف ولا سيما في سوريا، الحكومات المختلفة كانت تدفع بمناسبات متعددة للدعاية، والحكومة العراقية حسبما كنت اسمع منذ زمان بعيد تعطي الى الصحف بصورة مختلفة، والحكومات الأخرى تتبع نفس الأسلوب أيضا.


ويقول أيضا: الصحف السورية قبل أن أعين في دمشق وخلال اقامتي فيها ومنذ سنة 1920 أيام الملك فيصل الأول يعطي للصحف شيئا للدعاية.


ويشير مستمسك (يقرأه الرئيس الاول كامل شياع عضو الاحتياط في المحكمة) إلى برقية صادرة من الملحق العسكري العراقي في دمشق بتاريخ 20 أيلول 1956 استنادا إلى تبليغ وصلها من اللواء الداغستاني إلى تأييد كل من ممثل بريطانيا وامريكا دفع عشرة آلاف دينار إلى ميخائيل اليان (وزير الاقتصاد الوطني في حكومة جميل مردم 1948) وخمسة آلاف إلى جلال السيد (من مؤسسي حزب البعث مع ميشيل عفلق) وخمسة آلاف دينار شهريا إلى صحف سوريا.

رضا الاعرجي

0 تعليقات

    أترك تعليق