التكلفة الاقتصادية للأديان



موضوع التكلفة الاقتصادية للأديان، أو كلفة الأديان الاقتصادية، من المواضيع التي ظلت تشغلني وأنا أرى وأتابع ما يقام ويشيد من كنائس ومساجد وجوامع وتكايا وحسينيات ومدارس دينية وكليات للشريعة بل جامعات في مدننا العربية التي يقع العديد منها تحت خط الفقر، وتعاني من نقص فادح في الخدمات الطبية والتعليمية والترويحية وغيرها من الخدمات الاجتماعية.


ولعل من أكثر التكاليف الاقتصادية وضوحا بالنسبة لنا كمسلمين، وبعض الممارسات الثقافية الدينية المرتبطة بالإسلام، تلك التي تنشأ عن غياب أو ضعف مساهمة المرأة في القوة العاملة، فالعديد من هذه الممارسات، قد لا تكون جزءا من العقيدة الدينية، لكنها مع ذلك تفرض باسم الدين، أو ترتبط ارتباطا وثيقا بالدين، وينبغي إدراجها كتكاليف دينية.


بالإضافة إلى ذلك، فإن مجموع ساعات العمل المفقودة بسبب المشاركة غير المنتجة في الأنشطة الدينية التي تستغرق وقتا طويلا، دون أن ننسى الدين بوصفه سببا للمنازعات المحلية والدولية، حيث أخذت كلفة الحروب التي تعيشها مجتمعاتنا تستنفد حتى ما هو في باطن الأرض من ثروات وطنية ما يضع مستقبل الأجيال المقبلة أمام المجهول.


ومن المهم أيضا الإشارة إلى إسهام رجال الدين في تفشي الفساد السياسي والإداري، وتغطيته والذي يصعب معه قياس الآثار المترتبة على الدور المتضارب للأحزاب والمؤسسات الدينية ومؤسسات الدولة. وفي الحالة القصوى كما نراها في العراق، قد تكون سيادة القانون فعالة، ولكن طبيعة القوانين الدينية المفروضة تحد بشدة من الإنتاجية والابتكار. وفي حالات أخرى، تصبح قاعدة القانون المدني غير فعالة بسبب تدخل السلطات الدينية في عملها.


تاريخيا، قد يكون الدين ساعد على تعزيز سلطة الدولة، كما ساعد على الاستقرار وخلق الثروة، لكنه في عصر تضاءلت فيه الصراعات الأيديولوجية إلى حد كبير، وفي عالم من التنوير التكنولوجي والعلمي، لم يعد الدين يقوم بأية وظيفة مفيدة بقدر ما أصبح أكبر مصدر من مصادر الصراعات المتزايدة في العالم، الأمر الذي يتطلب النظر في مدى دور الدين وبعض الممارسات الثقافية الدينية في رفاه المجتمع أو تخلفه.


إن طبيعة بعض الأديان في بعض المجتمعات هي (الحقيقة) التي يعرفّها الدين، وهي محمية من الناحية المؤسسية من أي تحد أو سؤال. كان هذا هو الحال في أوروبا قبل عصر النهضة، وكما هو الحال في العديد من المجتمعات الإسلامية اليوم. وحيثما يكون البحث العلمي محبطا، وتقاس (الحقيقة) وفقا لتفسيرات دينية لنص قديم، فإن هناك تأثيرا سلبيا لا مفر منه، ونتيجة لذلك يعاني نمو الإنتاجية، مما يستتبع تكاليف اقتصادية باهظة.


وعندما يسمح لـ (الحقيقة) أن يعرفّها الدين تعسفا، ستكون له امتدادات إضافية داخل المجتمع حيث يمكن لإدارة العدالة المدنية أن تصبح عرضة للفساد، وهذا ما يفسر استمرار الفساد في المجتمعات ذات الصبغة الدينية العالية، وفي هذه الظروف، وحيثما تصبح آليات سيادة القانون غير فعالة، ينطوي الاستثمار على قدر كبير من المخاطرة، وبالتالي ينخفض حجمه، كما ينخفض مستوى التنمية الاقتصادية، مقارنة بما سيكون عليه الحال لو كان الأمر على خلاف ذلك.


وفي المحصلة، لا يمكن للمجتمع المتشدد دينيا أن يتوافق وتطور مجتمع مفتوح مع مؤسسات ديمقراطية، وينطبق هذا الوضع على المجتمعات الإسلامية وعلى كل المجتمعات التي يفرض الدين، أي دين، هيمنته. وبصورة عامة، يمكن وصف تكلفة أشكال التقييد الاجتماعي التي يفرضها الدين بأنها عملية منظمة للحد من التقدم والازدهار.


المعتقدات الدينية، رغم استمرارها، ليس لها أسس منطقية، وقد تكون غير قابلة للتصديق، وغير واقعية، وعلى الرغم من أن معتقدات الديانات المختلفة متناقضة بشكل متبادل، لا توجد طريقة لتقييم الجدارة النسبية للمعتقدات نفسها، غير أنه من الممكن تقييم الأثر النسبي الذي تمارسه الأديان المختلفة على المجتمعات. وكما يبدو، فأن الأديان قد توفر بعض المنافع النفسية للأفراد، كما يمكن للمؤسسات الدينية أن تقدم خدمات خيرية قيمة، لكن الملاحظة السريعة تكشف أن العالم المسيحي (إسميا) يتمتع بمستوى عال من التنمية والدخل، بينما يتميز العالم الإسلامي، صاحب الوفرة من الثروة والموارد الطبيعية، بالفقر والفشل الاقتصادي.


ترى، أي دور للدين في هذه الاختلافات؟


ليس من السهل تقديم سجل كامل عن تكلفة الدين التي يتحملها المجتمع، إلا أن البيانات المالية الدولية المتوفرة تمكننا من استنتاج تقدير كمي لهذه التكلفة، فوفقا لتقارير “صندوق النقد الدولي” ينقسم سكان العالم البالغ عددهم نحو 6 بلايين نسمة إلى ثلاث مجموعات، تضم المجموعة ذات الدخل المرتفع (أوروبا وأمريكا الشمالية) حوالي مليار شخص. وهناك مليار آخر في المجموعة متوسطة الدخل (أوروبا الشرقية وأمريكا الجنوبية) فيما تشمل المجموعة الأخيرة (آسيا وأفريقيا) فئة الدخل المنخفض. وبالاستناد إلى هذا الترتيب يتم حساب نصيب الفرد من الدخل.


ولا حاجة بنا للقول أن البلدان الإسلامية، التي تقع جميعها ضمن المجموعة الثالثة، هي الأضعف في نتائج النمو الاقتصادي، ويعود ذلك في جزء كبير إلى أسباب تتعلق بالدين. فمن بين الـ 4 بلايين نسمة في فئة الدخل المنخفض، يوجد 850 مليون نسمة يعيشون في مجتمعات تكون فيها قدرة الإناث على المشاركة في قوة العمل محدودة بسبب العادات الدينية. وتبعا لذلك تتباين معدلات النمو تباينا واسعا بين البلدان الاسلامية وغير الاسلامية، فاستناداً إلى تلك التقارير، فان معدل النمو الطويل الأجل للهند، على سبيل المثال، يتجاوز معدل النمو في الباكستان المجاورة بنسبة 1.7 في المئة.


من المهم أن نلاحظ أنه لم تبذل أية محاولة لتحديد التكلفة المتراكمة للدين في الدول الاسلامية، ولآثاره الاقتصادية وتأثيراته على نمو الدخل، لذلك أدعو المتخصصين من الاقتصاديين تسليط الضوء على هذا الموضوع الخطير والمسكوت عنه عن عمد، لتكون دراساتهم حافزا لمواجهة الأوهام، والتخلي عن الخرافات التي تروج لها الأديان.

رضا الاعرجي

0 تعليقات

    أترك تعليق