قصة: صديقي الصندوق الخشبي للكاتب هاشم شلولة.


الغرفة صامتة، وجدارنها غير قادرة على عزل فوضى بعيدة وثرثرة تبدو كإيقاع المسافة بيني وبين الصوت القادم من بعيد. تضيفُ تشويشًا جديدًا على ما أمرُّ به من تشويش، وعدم قدرة على استخلاص مُستقَرٍّ للفوضي بداخلي.
أعرجُ على كلمة آسف الإعتذار الموجّه لمحتويات الغُرفة ولا أدري لماذا أهذي بها، ربّما لسَدّ رأب هذا الرّكود المجنون، والمُتناثِر في جسدي، والذي تُدهِّن به أصابعُ الغرفة جسدي بشكلٍ غير مرئيّ.
ترقص الحياة كأنَّ دُرجًا من أدراج خزانتي فُتِح، مع تلك الرقصة، سؤال يسقط من السقف على ثُلّة مفاهيم تسكنني، فتتهشم تلك المفاهيم جرّاء السقوط _السؤال:
أين الأصدقاء؟.


قبل أسابيع كنت أقرأ رواية “السيد بالومار” لإيتالو كالفينو، ويومها طارح عقلي نفس السؤال، لأنَّ صداقة ما نشأت بين السيد النزق إلى حدّ اللطافة بالومار وبين النمل، وبين طائر، وبين وردات في الحديقة…
ودون أن يدري ربما؛ بينه وبين الأُفُق المُعبَّق بأنفاس الطبيعة، وما يطويه العالم تحت إبطيه من لامعلومٍ من نشاطات الأُفُق التي تتعثَّر بسرِّيتها دائمًا.

لا يحدث أن تكون صديقًا أكثر وفاء وصدق مع إنسان دون غيره من بقية الكائنات.

إنكشافك، فُسحة التفسير، الواجب وما يحوي الطبق الخاص به من محتويات، الفضول الذي إن هرب من أحد في ظل علاقة يختبئ في الآخر، ما يملأ أحشاء الدوافع… كُلّ هذا يحول بينك وبين الوفاء والصدق خلال صداقة الإنسان مع الإنسان.
من تداعيات انبهاري بالسيد بالومار، أنني أقمتُ علاقة صداقة بيني وبين الصندوق الخشبي المُجاور لسريري، فتحتُ له قلبي ليلة أمس، وشكوت له خذلان أحد أصدقائي حين اعتبرته شرنقتي، ويبدو أنّه اتّفق مع الهواء ليُناثِر الشرنقة، والهواء كعادته يُشبه بنات حارتي مُطِيعًا للأقل قيمة وأكثر استعدادًا للزواج.


فعل الشكوى بالنسبة لديَّ فعل مذموم، ولا أفضله لكن تسرُّب ما يُطمئنك من الصندوق الخشبي إلى جسدك الذي تدغدغ من التقلب في السرير دون فائدة مُغري جدًّا، ويسحبك من أطرافك نحو ما هو بعد الشكوى من تباين لما يُشبه الإجابة.
لأجل هذا؛ تكلمتُ شاكيًا كمروحة السقف لنفسها عن الدوران، إنّه ليمقتها ويُرهقها أن تُبَرِّدَ حرارة أجسادٍ تحمل أرواحًا غائبة في التشوه، أرواحًا بخس ولاقيمة لها.
ما أثارني إلى حدّ الذهول، أن صمت الصندوق وتفاعله مع ما تريد يداي حين أفتحه لإخراج علبه السجائر هذا التفاعل الخاشغ، الذي لا ينبس ببنت شفة أشعرني بتقديره لي، لم يضطرني للضرب عليه هذه المرة كيّ يفتح، كأنّه أُم كانت غاضبة من ابنها، وقد جاء لعناقها بغتة فلم تُخيّبه.

تلك الصداقات التي تُماثل هذا النوع، ليست تعبيرًا عن خللٍ أصاب صدر واقع أحد طرفيّ الصداقة، ولا مشهدًا فنيًّا يستحق الرصد والتدوين، ولا هو محاولة سوريالية لفكّ عقدة المفهوم المألوف وغير الأليف للصداقة… إنّما وهم جدّي، أقرب للوهم يبعث بك صوب رغبة سدّ الثقوب التي أحدثتها أيدي أصدقاءك الأغبياء من الناس في جدران استيعابك، والذين عرفتهم في المقاهي والجامعة والجلسات الليلية.

نعم، أنا سعيد جدًّا بصداقة هذا الصندوق الخشبي، وأحسّ ناحيته بفائض مشاعر لم أحس به من قبل لصديقٍ ما مُتخلّف لا يفرق بين مؤخرته ووجهه، كنت قد أحببته جدًّا، وقد حاولت أن أكون وفيًا معه لمدار سنوات. كانت علاقتي بالصندوق مؤادها الأول الفراغ، أمّا المُؤدّى المباشر، فهو ما أثراه فيَّ السيد بالومار من محاولات للمغامرة، وتجربة ما هو جديد لمفهوم ثابت ربّما، كانت آخر حركة لهذا المفهوم منذ مئات السنين، حين صادقَ الإنسان الحيوان. اليوم أنا أعتبر نفسي من أتباع من أزاحوا مفهوم الصداقة ناحية حيز جديد وأوسع وأكثر أمان.


الجمادات لا تنطق، ولا تشاركنا حلولًا كما كان يفعل من يعرفون الحلول ويخفونها، لكنّها تنصت بشكلٍ أقرب للخشوع، يأخذ بيدك إليك، ويجعل منك صديقًا صادقًا كما لا يجعل الأصدقاء البشر ذلك.

0 تعليقات

    أترك تعليق