عندما يجتمع الأدب وكوارث الأوبئة في شعر نازك الملائكة.


الأدب الذي وثق إبداعيا الأوبئة، في ثقافتنا العربية، حتى وإن لم يبلغ مرحلة التأسيس، كما هو الشأن في الغرب، الذي أطلق عليه بفعل التراكم:

“أدب الكوارث” La littérature de la catastrophe ؛ هناك نصوص مهمة في النثر والشعر، على ندرتها، استطاعت أن توثق اللحظة الانسانية إبداعيا، من بينها قصيدة كتبتها الشاعرة العراقية نازك الملائكة (1923-2007) وهي الشاعرة التي يعتبرها النقاد رائدة من روّاد شعر التفعيلة.

القصيدة عنوانها “الكوليرا”، كتبتها سنة 1947:

“أُصَوِّرُ بها مشاعري نحو مصر الشقيقة خلال وباء الكوليرا الذي داهمها. وقد حاولت فيها التعبير عن وقْع أرجُلِ الخيل التي تجرُّ عربات الموتَى من ضحايا الوباء في ريف مصر. وقد ساقتني ضرورة التعبير إلى اكتشاف الشعر الحر”.

كما أشارت إلى ذلك في كتابها :

” قضايا الشعر المعاصر”. من المفارقة أن هذه القصيدة، يعتبرها المؤرخون والنقاد أول قصيدة باللغة العربية، في شعر التفعيلة أو الشعر الحر.

هذا الشكل في الكتابة الشعرية، الذي أحدث ثورة في الشعر العربي المعاصر، أثار وقتها سخطا وغضبا من كبار الشعراء والنقاد آنذاك، سرعان ما أصبح اليوم، هو الشعر السائد، لم تصمد في مواجهته القصيدة العمودية.


كان ذلك بفضل اسمين أو ثلاثة أسماء، تتصدّرهم الشاعرة العراقية نازك الملائكة، وكان ذلك بفضل قصيدتها التي عنونتها: “الكوليرا”، والتي تعتبر أول قصيدة تفعيلة في الشعر العربي.

——–


الكوليرا
نازك الملائكة

سكَن الليلُ
أصغِ إلى وَقْع صَدَى الأنَّاتْ
في عُمْق الظلمةِ, تحتَ الصمتِ, على الأمواتْ
صَرخَاتٌ تعلو, تضطربُ
حزنٌ يتدفقُ, يلتهبُ
يتعثَّر فيه صَدى الآهاتْ
في كل فؤادٍ غليانُ
في الكوخِ الساكنِ أحزانُ
في كل مكانٍ روحٌ تصرخُ في الظُلُماتْ
في كلِّ مكانٍ يبكي صوتْ
هذا ما قد مَزّقَهُ الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ
يا حُزْنَ النيلِ الصارخِ مما فعلَ الموتْ
طَلَع الفجرُ


أصغِ إلى وَقْع خُطَى الماشينْ
في صمتِ الفجْر, أصِخْ, انظُرْ ركبَ الباكين
عشرةُ أمواتٍ, عشرونا
لا تُحْصِ أصِخْ للباكينا
اسمعْ صوتَ الطِّفْل المسكين
مَوْتَى, مَوْتَى, ضاعَ العددُ
مَوْتَى, موتَى, لم يَبْقَ غَدُ
في كلِّ مكانٍ جَسَدٌ يندُبُه محزونْ
لا لحظَةَ إخلادٍ لا صَمْتْ
هذا ما فعلتْ كفُّ الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ
تشكو البشريّةُ تشكو ما يرتكبُ الموتْ
الكوليرا

في كَهْفِ الرُّعْب مع الأشلاءْ
في صمْت الأبدِ القاسي حيثُ الموتُ دواءْ
استيقظَ داءُ الكوليرا
حقْدًا يتدفّقُ موْتورا
هبطَ الوادي المرِحَ الوُضّاءْ
يصرخُ مضطربًا مجنونا
لا يسمَعُ صوتَ الباكينا
في كلِّ مكانٍ خلَّفَ مخلبُهُ أصداءْ
في كوخ الفلاّحة في البيتْ
لا شيءَ سوى صرَخات الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ
في شخص الكوليرا القاسي ينتقمُ الموتْ
الصمتُ مريرْ


لا شيءَ سوى رجْعِ التكبيرْ
حتّى حَفّارُ القبر ثَوَى لم يبقَ نَصِيرْ
الجامعُ ماتَ مؤذّنُهُ
الميّتُ من سيؤبّنُهُ
لم يبقَ سوى نوْحٍ وزفيرْ
الطفلُ بلا أمٍّ وأبِ
يبكي من قلبٍ ملتهِبِ
وغدًا لا شكَّ سيلقفُهُ الداءُ الشرّيرْ
يا شبَحَ الهيْضة ما أبقيتْ
لا شيءَ سوى أحزانِ الموتْ
الموتُ, الموتُ, الموتْ
يا مصرُ شعوري مزَّقَهُ ما فعلَ الموتْ.

writer by boudaoud amier

1 تعليق

  • يقول buy viagra:

    I intended to create you one little note just to give thanks as before for the fantastic information you’ve discussed at this time. It has been certainly particularly generous of people like you to allow extensively precisely what many of us might have offered for an ebook to get some dough for themselves, notably now that you might have tried it in case you desired. These smart ideas as well served to be the good way to fully grasp that other people online have the identical interest really like my personal own to learn more and more related to this matter. I am sure there are numerous more pleasant periods in the future for many who read carefully your site.

أترك تعليق