قلق الإبداع وكيفية تكتب القصيدة.



لا تراودني الأحلام الفاضلة، ولا يقلقني فيما إذا تتحقَّق أحلامي أوْ لا، ما يعجبني في الحلم أنّه حلم غير قابل للتحقيق! ولا أريده أن يتحقَّق أصلاً، لأنَّ جمال الأحلام هو في عدم تحقيقها، لأنَّ عدم تحقيقها يجعلنا أن نبقى دائماً في شوق عميق إليها!

الحلم حالة راقية، طموح غير محدود، وعندما يتحقَّق جزءاً من حلمي أو طموحي في مجالٍ ما، سرعان ما أتحايل على نفسي وأبحث عن حلمٍ آخر بحيث أن يكون سقفه مفتوحاً مطلاً على غابة فسيحة من دنيا الأماني! ..

يحتاج المبدع دائماً إلى حالات قلق، يسمونه قلق الإبداع! ولا أخفي على القارئ والقارئة، أنَّ هذه الرُّؤية أعجبتني، لهذا لا يستهويني الاستقرار بالمفهوم التَّقليدي، فلا أجدني مستقرّاً، عندما أكون في حالة قلق مفتوحة، لأنَّ القلق يحفِّزني على الكتابة، ويفتح أمامي فضاءات رحبة لشهوةِ الحرفِ، لهذا لا أبحث عن الاستقرار بالمفهوم الدَّارج للكلمة، وقد بحثت عن أسباب هذه الظَّاهرة على صعيدي الشَّخصي، فوجدت أنَّني على صواب، لأنَّني فعلاً أحتاج أن أكون في حالة متوفّزة وقلقة كي أتمكّن أن أكتب نصّاً جديداً، أتحدّث هنا ضمن إطار صحّي وسويّ لمفهوم القلق المبدع، وليس القلق بالمفهوم المرَضي!

ولكي لا يذهب المتلقّي بعيداً فلا يقلقني شيئاً حتّى القلق نفسه، لأنّه بمثابة الخيط الّذي يقودني إلى محراب القصيدة! وهو الَّذي يقود الكاتب إلى أحلام فسيحة يسبح فيها ويكتب حرفه وكأنّه يصعد نحو معراج السَّماء بحثاً عن ظلال القمر، وعندما يصل إلى ظلال القمر يأخذ غفوة هناك ثم يبدأ بالبحث عن ظلال الشَّمس فلا يستطيع الوصول إليها فيكتب عن توهان عاشقة من لون وهج الشَّمس فيتوه في عالم متعانق مع معابر حلم الأحلام!

إنَّ أكثر ما يعجبني في تكويني المزاجي هو هذه الأحلام المتشابكة المفتوحة على ربوع الدُّنيا! لأنَّ الأحلام الَّتي تتحقَّق لم تعُدْ أحلاماً ويخفتُ بريقها عندما نعيشها ونتعايشها، ولا أخفي على القارئ العزيز أنَّني لا أكترث كثيراً بالحلم بقدر ما أقتنصه لرحاب الحرف كحالة إبداعيّة!

والطُّموح الَّذي يعدُّ واحة فسيحة للأحلام لا يأخذ من إهتماماتي شيئاً، بقدر ما أسخِّره هو الآخر لحبقِ الإبداع، شراهة ولا كلّ الشَّراهات للكتابة، وما يجذبني في العيش إلى أقصى درجات العيش هو شهوتي المفتوحة على عبور معالم الحرف، البحث عن خفاياه المتعرّشة فوق نداوة وردة، أنا القائل:

لو كانت الحياة
خالية من الشِّعر
والموسيقى
والحبّ
لتهتُ أجوبُ الصَّحارى والبراري
أبحثُ عن أبجدياتٍ جديدة للموت!

تتقاطع عوالم زهرةٍ برّية عبرَتْ خلسةً إلى معالمِ حرفي مع قصيدة لم أكتبها بعد، لربَّما أمسكُ خيطها قريباً وأكتبها أنا الآخر خلسةً، بعيداً عن تلألؤات نجمة الصَّباح!

عندما أنام أحياناً أشعر أنَّني أكبر ظالم في حقِّ نفسي، وأشعر بنوع من الانزعاج لأنَّني سأنام، خاصَّة عندما تنتظرني قصيدة معلّقة بين شفاه غيمة، فأنهض من مخدعي ضارباً النَّوم عرض الحائط لأتمم ما تبقَّى من بسمة وردة، وعندما أتمم ما تبقَّى من معالم الوردة، أعود بشهيّة مفتوحة مسترخياً للنوم فيصبح وكأنه الجّزء المتمِّم للقصيدة!
الكتابة أمانة، رسالة منبعثة من حنينِ السَّماء!

صبري يوسف
أديب وفنان تشكيلي سوري مقيم في ستوكهولم
[email protected]

0 تعليقات

    أترك تعليق