فلسفة المكان في شعر عثمان لوصيف.



عثمان لوصيف أحدُ أندر الشعراء الجزائريين والعرب المعاصرين الذين عاشوا التجربة الشعرية قبل أن يكتبوها ، والذين ضاق بهم الكون الفسيح بما رحب ، فأعادوا تشكيله شعريا وإنهم فيه لموسعون، أولئك الذين سكنتهم الأمكنة إذ سكنوها ، واتخذوا منها مواقف فنية وتشكيلية في نصوصهم المكانية بفلسفتهم ورؤيتهم الخاصة.

التي لا شريك لهم فيها، إنه فقيد الشعرية الجزائرية المعاصرة ، وأحد أعلامها البارزين في تاريخ الشعر الجزائري القديم والحديث، الذي علمنا” الكتابة بالنار” حين لايُصغَى لنا ، وحين ينتابنا “شبق الياسمين” في”أول الجنون” فنكون أهلا ل”براءة” عشق شعري نادر جدا.

فكان عثمان فعلا علامة شعرية جزائرية مسجلة لاتقبل التقليد أبدا، وله في الحراك الشعري المعاصر “أبجديات” لايفقهها إلا الراسخون في الحلم .

أولئك الشاهدون على” ما”قالت الوردة” فأقاموا لها”أعراس الملح”لتخلد “اللؤلؤة” الشعرية الجزائرية بين قريناتها العربية، شامخة شموخ عثمان لوصيف ؛ الذي عاش شامخا شعريا ومات واقفا في وجه رياح النسيان والتغييب ، فكتب له الخلود؛ وكذلك يمر عظماء التاريخ والحرف شامخين وينصرفون ممتلئين حبا وحياة.

تاركا من خلفه أماكن تنضح شعرا وفرحا، ومدنا تتغنى بأشعاره وقد عاش حينا من الشعر والدهر متغنيا بها ،هو مدّاح المدن محييها في زمن رثائها وبكائها في أوطان أخرى.، فأفرد لغرداية القلب والديوان، وهو العابر الشعري المداح لمدائن كثيرة، فمن بسكرة السكّرة إلى سطيف العروس فباتنة الملاذ، إلى وهران الحنون فتيزي وزو التاريخ فورقلة الزهراء والطفلة المدللة ، فمدن أخرى.

يرحل عثمان وتظل مآذنها وآذان أهلها صاغية صاغرة لروائعه الشعرية، هذا هو عثمان قبل دخولنا ممالكه الشعرية الباذخة من أبواب قرائية متفرقة.


1- أوجاعُ البحر والصحراء في شعر عثمان لوصيف:

تسكن الأمكنةُ الشعراءَ فتعمّر طويلا، ولم يكن المكانُ البتّة إطارا وحيزا يمارس فيه الفردُ تفاصيل الحياة بحياد، بل إن الذات البشرية تعيش ذاك الحيّزَ بكل ماأوتيت من حس وحياة وذاكرة وحلم ، وتقاسمه التفاصيلَ وتُسكنه ذاتها رغبة أو رهبة.

فمن غير الممكن الحديث عن فصل بين ذات المكان وذات الإنسان أبدا ، ومثلما يقول الأسلوبيون: إن الأسلوب هو الإنسان، فإننا نجزم بأن المكان هو الإنسان روحا وجسدا، ذاكرة وحلما، حضورا وغيابا.

“والمكان لايتوقف حضوره على المستوى الحسي إنما يتغلغل عميقا في الكائن الإنساني حافرا مسارات وأخاديد غائرة في مستويات الذات المختلفة ليصبح جزءا صميما منها “19.

وإن آمنّا بموت المؤلف الناعم وبضمورِ السياق لدى مقاربة النص الشعري، فإننا لاننفي أن مقاربة التجربة الشعرية ” العثمانية” لايمكنها بأي حال من الأحوال التأويلية أن تتنصل من السياق المكاني، من حيث موطنُ الشاعر ومسقطُ تجاربه الشعرية الأولى (ونقصد الصحراء).

الوعي بالفضاء في شعر الكاتب عثمان لوصيف:

آثرنا مقاربةَ الفضاء الأكثر حضورا في المدونة الشعرية العثمانية ، وإنْ بتشكيل وصيغ وأبعاد وصفات مختلفة، فلم يكن ذلك الحضورُ الصحراوي عفويا عارضا لدى عثمان لوصيف ، الذي ارتسمت ملامحُه التعالقية الشعرية مع الصحراء واضحة ًعميقة أليمة أليفة قاسية.

فالصحراءُ “متحفنا التراثي الأدبي حفل منه الشعر الجاهلي بالخصوص بانفتاح كبير وعميق وواع على أهمية الفضاء في صياغة الوجود المادي والإبداعي.

الوعي بالفضاء كمكان أولا، ثم كعلائق وكذاكرة وكحنين”20 ، ومازال يحفل به المتحف الشعري المعاصر، وعثمان ممن أثثوا هذاالمتحفَ الشعري بنصوص مكانية كثيرة، تأخذ قيمتها الفنية بالتقادم ؛ بوصفها تحفا شعرية تكشف عن حسناتها يوما بعد يوم، وسنفقه الصحراءَ حين نفهم المكان والإنسان والوجود كله من خلال ما امتلأت به الصحراء من فراغ رهيب مؤثث ببواعث للحب والحنين.

كالإنسان الذي شغل المكان، والمكان الذي شغل الإنسان أيضا، إذ الأماكن نسكنها وتسكننا، وفيها الحياة كما الموت والاخضرار كما الاصفرار والخصب كما اليباب، و” هل قدر الصحراء أن تكون موطن النبوات والعذابات والتصوف والتجرد والأسرار والنقاء، الشعر والحكي”21 فقط .

أم إننا لم نُحط بها علما وخبرا وحلما وسرا؟

أم إنها موطن الأحلام والجمال والتلبس بالحياة ، ولقد ارتبطت” الصحراء بالغزو وقطع الطرق فإن رمزيتها ارتبطت بإحاطتها الواسعة بالفرد الذي تستلب حريتَه” 22 .

لذلك ينزع الشعراء إلى التحرر شعريا في كثير من نصوصهم التي تتخذ من الصحراء أفضية ، ومن مكوناتها رموزا وبواعث للخروج عن التقاليد الشكلية والموضوعاتية أحيانا ، ولنا في القصيدة الحرة الجزائرية أمثلة كثيرة.

ومنه فإن الصحراء تعني التحررَ والانطلاق والتمرد ، والفقدَ الكثير، وتعني الخصبَ والنماء والملاذ كما صور عثمان لوصيف ذلك، فأحال الفضاءَ الصحراوي المقفر جناتِ شعر تجري من تحتها الأنهار ويحتمي بها الطير والبشر بفائض جمال ومخزون أدمع ماطرة .


وغرسناها فلما أثمرت خانها بعد الشباب المطرْ
وهْي مِن أدمعنا قدْ حبكت ومِن الأدمع ينمو الشجرْ
نبتت في الرمل لاشيء سوى نغمٍ عبر المدى ينحدرْ
مدت الظل على كل الدنا واحتمى الطيُر بها والبشرْ


إنها الصحراء لا كما هي، بل كما يحلم الشاعر أن تكون إنها الموات الذي يبعث فيه الشاعرُ الحياة ، واليبابُ الذي يزرعه خصبا ونماء ، والطلل الذي يحييه وهو رميم ، إنها اللحظة الفارقة بين ذاتين:ذات الشاعر الخصبة وذات المكان المحتضرة.

وفلسفة إحياء المكان شعريا واستدعاء كل أسباب الحياة والبقاء حبرا ودما ودمعا ، لتكون القوةُ الصحراوية الطاردة قوةَ جذب إليها وكانت قبلها قوة جدب منفرة، إنها فلسفة الشعراء الأوائل مع الطلل ، وقد انتبه إليهم بحس تأويلي قرائي رهيب الناقدُ حبيب مونسي فقال عنهم وأسقط عنا اللبسَ.

وعلى شعرائنا المعاصرين القولَ في النّص الطللي القديم المتجدد ، الذي يتلبس المعاصرين من حيث يدرون ولايدرون ماضمر منه وماظهر، لأن الطلل خالد في ذاكرة الشعراء:” إنه نص عجيب غريب، دائم التحول ‍!

إن اللحظة المكانية التي ارتسمت في قرارة الشاعر، كانت تعتمد على جملة من العناصر المادية المشاهدة، والتي ما تزال في رحمة التحول المستمر الذي تجريه الطبيعة على هيئتها من محو وتثبيت، كلما عادت إليها الأنواء، وعدت عليها الرياح، وتعاقب عليها الشتو والمصيف.

وكل حركة في هذه الظروف تغير ما تشاء من سطر، محوا وإضافة. إن الشاعر يدرك ذلك جيدا، ولا يأمن أن تظل الصحيفة التي شاهد على حالها، بل يجزم أنها ستتغير غدا أو بعد غد .. لذلك كانت صياغته للنص تحمل هذا التحول، وتشير إليه، حتى لا ينخدع المتلقي بما وصف، ولا يأمن بدوره السكون الذي يوحي به المكان ظاهريا”24 ،

ومتى سكنت الصحراءُ واؤتمنت على عابريها وساكنيها والموجوعين بها وبمن سكنوها فهجروها؟ وهي التي لا سرّ لها ولاثبات، ذات المزاج الغريب الرهيب ، مقبرة كثير من الأهواء والأحلام القاسية بشبق انتقامي عتيق كما ورد في المدونة الشعرية العربية كثيرا.

أليست المقبرةَ التي حدّثنا عنها عثمان لوصيف بكل جوامع الألم والكلم، إنها الحياة والموت ، الألم بصيغة الأمل، كما جسّدته قصيدة’ المقبرة’ إذْ يتنهّد عثمان شعريا فيقول عن صحرائها المقفرة قاصدا المقابر المتحركة النهمة:25


مقبرة:
وزواحفُ تسحب أكفانَه
وتدبّ إلى المقبره
وأنا المتوحد بالنار
والجلنارِ
تجرّعت من سمّها الوثنيِّ ولكنني الآنَ ألعن
صحراءَها المقفره”

وسعت الصحراءُ مواجعَ الشعراء الأولين والآخرين سواء ، ولم تكن ملاذهم إلا ماندر وشذّ عن قاعدة هذه الصفراء الفاقع لونها القاسية على الشعراء والغاوين معا ، كما البحر تماما والذي اتسع فوسّع آلامهم كثيرا لولا ان البحر يتسع من طرفي نقيض ، فبقدر ما تعمق المواجع ويبعث الذكريات بقسوتها ويحرك المواجع بجبروتها.

بالقدر الذي يكون ملاذا وذاتا تحسن الإصغاء لبوح الشعراء والموجوعين ، فيتأنسن شاعرا مصغيا محتضنا حين يتشيأ البشرُ من حولنا ونمتلئ اغترابا.

لذلك وددت التوقف عند’البحر’ بوصفه مكانا اصطافت عنده كثير من النصوص الشعرية”العثمانية” وسبح عثمان لوصيف في لججه الفلسفية كثيرا وأصغى لمحاوراته الوجودية مطولا ، فبث فيه من روحه وبث الآخر فيه من حزنه ،ولاذ كلاهما بالآخر ، وقد جاورا اليابسة/ الأرض ولكنها ضاقت بهما:26


واقف عند الشواطئ
في هدوء وسكينه
أبتني فيها مرافئ
وشراعا وسفينه
واقف الهو بدمعي
إذ جرى من مقلتيا
ها انا قد ساقني الوجد إليك
جئت لما ضاقت الارض عليا
آوني أيها البحر لديك


الأحداث والبحر في شعر عثمان لوصيف:

يتخذ عثمان لوصيف من حوادث الدهر والبحر صورا شعرية معتّقة، تحيل على الوقفة الطللية التي ظلت وشما على زند القصيدة المعاصرة ، فيمنح البحرَ/المكانَ شرعيةَ النصوص الأولى وحق الوقفات الجاهلية ويبث فيه حرائق الشاعر القديم بأثر رجعي.

متأملا متألما وتلك فلسفته مع المكان غالبا، وتشكلت وقفته الطللية المعاصرة شعريا بأنفاس سردية موغلة في التكثيف والصور المتتابعة سردا وامضا وكأنّ “الأليق بالطلل أن يحتويه الشعر، لا أن تحتويه الحكاية ! إن الطلل موضوعة فلسفية في أساسها الأول.

وإن كانت مكانا محددا. ومن ثم كان في فسحة الشعر مجال للطلل، لا تقو الحكاية على حمله، لأنها سرد محض.” 27

فلاغرابة أن يسرّد عثمان لوصيف الوقفة البحرية الطللية شعريا ، فلطالما تقاسم السردُ والشعر الذوات الإنسانية الواقفة طلليا بحزن الباكية أحبتها وظعائنها بحرقة : 28


في قاع هذا البحرِ قد سقطتْ مكسورةَ الألوانِ ترتجفُ
تهفو لها الأسماكُ في ولهٍ والسرخسُ الذهبيُّ والصدفُ
ووقفتُ عند الشطّ منذهلا والموجُ في الظلماء ينقذفُ


الشعراء ذوو مقدرة رهيبة على إعادة صياغة الكون شعريا ، فحين توحش بهم أمكنة يحاولون ترويضها ، فإن أبت واستكبرت فإنهم يشيدون بروجا غيرها ، تبلغ عنانَ الخيال الذي أواهم من ألم وأطعمهم من مسغبة الحوادث ، فحين يضيق البَرُّ/الصحراءُ والبحرُ بالذات الشاعرة فإنها تحلّق في ملكوتها التخييلي الأول البعيد، مقتفيةً دروب التبانة الشعرية الحالمة.

فذات الشاعر تضيق بالمساحات تختنق بالمحدود، كما فلسفها الشاعر عثمان لوصيف في بعثه الجدلَ القديمَ الأول، جدلَ الخلق، مستأنسا بفرضياته مستكينا لأوهامه متكئا على حقائقه السديمية السرمدية قائلا حالما فانيا في وجود بعيد بحسّ صوفي مهيب وبرؤى علوية تأملية خالصة تنشد الخلاص:29


وأناالميتُ الحيُّ
كنت أصوغ السديمَ نجوما
فأرسل في العتمات البدورْ
يادمَ الكونِ
يا..يادمي
أجّجِ العشقَ نارا ونورْ
واتلُ للعالمين كتابَك
كي تستفيقَ العقولَ
وتزهرَ بالمجد هذي الزهورْ


عثمان لوصيف والانتقال بين الفضاءات الشعرية:

يتنقل عثمان لوصيف بين الأمكنة والفضاءات الشعرية تنقلا هادئا قلقا، وجوديا ضاربا في فلسفة الخلق والمصير والخلاص، متشظّيَ الذات بين ألفة المكان ووحشته، فحين ضاق به البر والبحر ، اتخذ لذاته الشاعرة أمكنةً ومساحاتٍ روحيةً جديدة ؛ مثنى وثلاثَ ورباعَ.

فضرب في البر والبحر واصّعد إلى السماوات البعيدة فأوّلِ الخلق، ليدرك أنه لامكان ألطف وأشدّ حميمية وألفة من رحم الأم الأول، المبتدإ والمنتهى، فهو الرحم/المولد/ البدايات السحيقة وهو الحلم ، فالإنسان يظل معلقا بمهده الأول الذي هو جزء منه وهو كله.

و ” لقد أدرك الشاعر العربي منذ العهود البائدة أنه لا يستطيع أن يبرح المكان، وأن المكان يحتويه في حياته ومماته. فهو جزء منه لا يختلف عنه في شيء”30 ، والرحم بوصفه مكانا هو اخلد الخالدين كما يقول:31


مثل الجنين
غفا في سدرة الرحم
يعانق
الغبشَ
المسحور في الحلم


إنه الرحم، بيتُ الوجود الأول ، الحميم الرحيم، الذي يبرحه الإنسان فيظل به حنين إليه ،وهو ” جسد وروح وعالم الإنسان الأول”32 لكن الرحم أسبق من كل البيوت اللاحقة.


الطبيعة والثورة لدى الشاعر:


منذ الخليقة الشعرية الأولى؛ والذات الشاعرة تهيم بالطبيعة وتلوذ بتفاصيلها وتستنطق جماداتها وتتلبس حالاتها وتتمثل مزاجها الغريب ، في تماهٍ كبير مبرَّر بين الذات وطينتها الأولى.

ولم يخلُ الشعرُ العربي لحظة ً من حضور الطبيعة في تجلياتها المختلفة ، بمستويات استحضارٍ متعددة ومتباينة في العمق والمقاربة، وإذ تلوذ الذاتُ بالطبيعة فلحاجة في تفاصيلها التي شكاها الإنسانُ بثّه فوسعت اغترابَه وآنست وحشته ،”

والإنسان منذ بدأ يضرب في الأرض حمل بين جوانحه ضروبا من الإحساس بالاغتراب حتى لقد تلونت قطاعات عريضة من أدبه بعد ذلك بهذا الإحساس”33،

لذلك جاءت الأشعار معلقة على ستائر الحنين واللوعة ، وهو ماعرف بشعر الطبيعة في مواثيق تاريخ الأدب العربي وأعرافه التصنيفية، ولقد وعى عثمان لوصيف الطبيعةَ واستكنهها ومنحها -إذْ لاذ بها- مكنوناتِه ورؤاه الفلسفية.

فمنحته الصورةَ الفنية اللائقة و عكست رؤاه العميقة ، وطال بهما المدّ الفلسفي والجزْر الفني، فصارا مبعثين لهواجس الذات الشاعرة ، وخلّق كلاهما تفاصيلَ الآخر، في تماهٍ كبير تجسيدا لمقولات الانبعاث والخلق المتجدد، ففي عز التوحد والحلول بين الطبيعة والذات الشاعرة.

يصبح كلاهما مانحا أخّاذا، لتتجسد ‘أسطورةُ العنقاء’ وتتجدد ، فينبعث الخلقُ والشعر والنص، وتلكم فلسفة عثمان لوصيف البعيدة التي حاولنا اقتفاءها بحسّ وحذر مبين، وقد تغنى بها في أعراسه الملحية: 34


(من رماد الموت ناتي شجرا يمتد في التاريخ نأتي
والنوافير على اهدابنا،نأتي وننثال حنينا في رمال الزمن
الموت ناتي نملا الدنيا فتونا ونريق الحب أنهارا ونعطي
للسحاب البرق وللريح المدى والصوت نأتي سفنا من
آخر الدنيا ونمتد على مملكة الأيام أشكالا ووشما وانطباع)

يلوذ عثمان لوصيف بالطبيعة : أشياءَ و أمكنةً وفضاءاتٍ ومقولاتٍ فيتلبسها شعريا ، لتمتد فيه دلالاتٍ وإشاراتٍ عميقة ، فتتحسّس ذاتُه الشاعرةُ أصواتَها فألوانَها ولغاتِها وقد أوتي منطقَ المكان والشعر على حسّ سواء.

و يفقه الشاعرُ المكانَ ويحاوره “عبر لغات مختلفة : علامات لغوية وألوان وأصوات وصور..حيث الخبرة المباشرة (الحدسية) بالأشياء إلى الوعي الجمالي بهذه الاشياء ودورها ودلالتها ووظائفها”35 ونتلمس هذاالعناق الوجودي العميق بينهما في مقطوعات عديدة منها:36

(أعانقها
فتشتبك الغصون
وألثمها
فينمو الياسمينْ
وترقبها النجوم
إذا مشينا
فتأخذها الغواية
والجنونْ)


يعانق الشاعرُ تفاصيلَ الطبيعة فيبث فيها الوجود والجمال ، ويؤنسنها حين ” يتشيأ ” البشرُ من حوله ، فيكتسب الليلُ صفاتِ البشر إذ يشعر بالغثيان، والحمى، ويصير للفجر جسدٌ يتمزق ،ويكون للألوان روح ورغبات خامدة ، فتتهيأ لتتحرك وتتشكل ممتلئةً عواطفَ وأهواء بفائص حياة وإنسانية فتحنّ ويصيبها كما البشر الوله.

إنها تمنح للذات الشاعرة مامنحتها من أهواء ومما بادلتها من عواطف حين لاذت بها وسكنتها،وهي فلسفة عثمان لوصيف في زواجه الطبيعي المعقد الوثيق : إنه عناق الذاتين ووحدة الوجود بوصف الطبيعة نصا سرمديا وبوصف النص طبيعة بكل تفاصيل التشابه: 37


(الليل يعاني من حمى الغثيانْ
وضلوع الفجر تمزقها النيرانْ
والنطفة في بئر النسيانْ
والألوان تتهيأ
تتشكل في وله وحنانْ)


منح الشاعرُ الطبيعةَ لغتَه لتتجلى شعريا ، ومنحته مقولاتِها ليتأثث نصّه طبيعيا ، ولا ينبغي ذلك إلا للشعراء حين يندمجون في تفاصيل محيطهم الطبيعي فينكتب في أشعارهم بلغتهم التي تتوغل في العادي ، فتشكله كما لانراه ولكننا نشعر به.

لأن” الشعر لا يقول أشياءه في اللغة المعتادة. إن له من اللغة ألفاظا وتراكيب تمعن في خلق جو من المعاني التي تعمل عملها الدسيس في النفس” 38.

تلكم اللغة التي تتنزل من سماوات الدلالات العميقة المتجددة التي تمنح الشعريةَ الإنسانية خلودَها وتجدّدها الدائمَين.

ومن النصوص التي عانقت السماءَ بوصفها آفاقا بعيدة منشودة بكل تشكيلتها الرمزية والدلالية هذه المناجاةُ/المناغاةُ للطفل الشاعر الحالم بحسّ رومانسي يذكّرنا بروائع “جبران” العميقة ومواكبِه الأنيقة، وبفلسفات”طاغور” الخالدة وأشعاره الساردة:39


(السّماء:أين منّي نجومك الخضراء
والنواقيس
والمدى
ياسماءْ
أين مني رذاذك البكر يهمي
بين عيني
حين يأتي المساءْ)


وإذا السماء رُفعت شعريا لدى عثمان لوصيف واستمطرها وصرّف دلالاتِها بعمق ، فبكت بعينه وتبللت عيناه برذاذها ، فإنّ الجبال قد نُصبت شعريا في حمى الشاعر.

ولم تكن مقارباته للجبال أقلّ جمالا من الاقترابات الرومانسية الأندلسية خصوصا ، ولا أقل قيمة رمزية من كثير من فلسفات الأوائل وأساطيرهم وخرافاتهم عن الجبال ، حيث”الجبل.. مكان للضياع والفقد.. الجبل.. ارتفاع وحاجز ونهاية.. لقد عمدت القصة الخرافية، والقصة الشعبية إلى استعمال “الجبل” لواحد من هذه المعاني.

بعد إحاطته بهالة من الضبابية و عدم التحديد. تبث فيه الروائح والأصوات، من همهمة وهمس وهدير.. وكل لغط غامض و غريب.

وهي في سعيها ذاك تراعي – ابتداء- عاملا نفسيا مركوزا في المتلقي الذي تمتلئ نفسه فرقا مما يسمع، ومما يرتسم على وجه “الحاكي ” من تعابير تهوّل الوصف، وتنفخ فيه الأصوات، وتبث فيه الحركات.”40.

ومن الطرافة الفلسفية أن يتمنى الشاعر كونَه جبلا حجريا أصمّ قاسيا صابرا يهزم كل مايمكن آن ينتابه من أهوال الطبيعة ، وهو لا يريد أن يكون حجرا صغيرا “ماضويا” ليثبت جدارته بالحياة ، بل يفضل أن يكون جبلا شامخا لا يتشقق من خشية الآخرين ، إذْ تنكسر الريح عند قدميه ، وتتدفق النار صاغرة بين أصابعه لتنال من رفات البشر، فهو كاتب بالنار معانق لها معذب لها يمتطيها ليبعث وينبعث في رفات الكون جميعا:41


(جبل ليتني جبل من حجر
تعصف الريح لكنها تحت أقدامه تنكسر
ليتني عاصف أو مطر
ليتني ليتني كيمياء
تتسلق نارَ السماء
ثم تهبط كالصاعقة
في رفات البشر
جبل ليتني جبل من حجر)


المدينة في كتابات عثمان لوصيف:


نالت المدينةُ حظا وافرا من الحضور في الأدب العربي منذ القديم ، بوصفها مكانا غنيا بالأحداث وبما يمنحه للنص من مناورات أدبية، ولم يخلُ النص الشعري القديم ولا المعاصر من استحضار المدينة أيضا ، فمنذ الشعر الأول إلى شعرنا المعاصر والمدن محظوظة بهذا الاستحضار.

حتى إنه وُسم قسمٌ من الشعر العربي بشعر المدينة أو رثاء المدن والمماليك في طبعته الأندلسية ،فكثيرا ما تغنى الشعراء بالمدن المشيدة و التليدة والساقطة تباعا كذلك ، ففي المدن حيواتٌ وذكريات وأحلام، وما المدن سوى مخزون لتفاصيل ساكنيها وعابريها وهي مدّخراتُ أهوائهم وعواطفهم ومصبُّ حنينهم أيضا .

ولقد عُرف عثمان لوصيف بنصوصه’ المدنية’ كثيرا وهو يكتب عن عديدها ، تلك التي زارها أو وقف أو استوقف بها غيره ، منها الجزائرية كبسكرة وسطيف وورقلة وباتنة ومنها العربية كفلسطين بمدنها أو مصر بنِيلها.

لذا وددنا أن نتوقف عند هذا العشق’المدني’ عند عثمان لوصيف لاستجلاء مقارباته المدنية وفقهه في ذلك، ومن هذه النصوص التي ذكرت المدنَ بأسمائها قوله عن سطيف:42


(بكيت وأدركني الأسى
قلت أعود إلى النخل
لكنني حين ناديت عبر الدروب
سطيف..سطيف
وجدتك بين يديّ بثوب الزفاف
فأيقنت أن الغرام سطيف
ضممتك فانهمر الثلج
غنت عيونك
وابتدأ العرس
ثم ارتمينا على الريش ملتهبين
ونمنا هنالك تحت الندى شفة في شفه)


إن توظيف المدينة (سطيف) في هذه المقطوعة جاء استقصاء لبواطن الذات وتسريدا لمحكي النفس ، لتكون سطيف الملاذ للشاعر من الأسى وقد خانه النخل وما استجاب.

والميزة الثانية أن المدينة في المقطوعة تأنسنت وصارت معادلا موضوعيا للمرأة/الأنثى المشتهاة ، وكان حوار الأهواء والأجساد بديلا عن الفقد والاغتراب الذي عاشه الشاعر، إذْ تحاورت الشفاه دفئا وقد ‘انهمر الثلج’ كما قال الشاعر.

وهو تجسيد طريف للمدينة بوصفها بشرا سويا ، ولطالما تحاورت الأجساد بوصف الإنسان جسدا يعيش بين أجساد بشرية وشيئية أخرى ، ليستحيل الجسد مكانا حيث” المكان يدرك إدراكا حسيا مباشرا ، يبدأ بخبرة الإنسان لجسده ،هذا الجسد هو (مكان) ، أو مكمك القوى النفسية والعقلية والعاطفية للكائن الحي” 43 ،

فحين يجعل الإنسان المدينة جسدا ويؤنسنها فلحاجة في تعويض فقد حسي داخلي وخارجي أصابه ، أما ‘باتنة’ فمدينة طالب فيها الشاعر بلجوء عاطفي وقد شكاها تعبَه وغربته وظمأه وصبابته وأسفاره الشاقة،ملتمسا منها مددا روحيا وإقامة عاشق” سندبادي” قَدره السفر الدائم:44


(ها أنا جئتك صبّا ظامئا
أحمل الشمس وحبي والزهر
فاحضنيني إنني محترق
وامسحي عن جبهتي ملح السفرْ)


القدس في شعر عثمان لوصيف:

تغنى عثمان لوصيف بالقدس كما تغنى بها جلُّ الشعراء الجزائريين وأفردوها نصوصا كثيرة ، وربما كان للقدس حضور لايفوقه إلا حضور الوطن في الشعرية الجزائرية المعاصرة ،لأن فلسطين موضوعة عابرة للنصوص، وفلسطين أعز البلدان وأخلد الجراح لدى الجزائريين جميعا ،وعادة مايذكرها هؤلاء بحرقة وفخر وحسرة على المآل ووعد بالحرية والشروق ولو بعد حين :45


(يابروجَ التنزيل ياصهوةَ المعراج
يامنبع الهدى والقداسهْ
ياصلاة العشاق في كل دربٍ
ياغراما فيه انغمسنا انغماسه
هو ذاالجرح صارخ يشتهي
عانقيه ودغدغي إحساسَه)


النيل في شعر عثمان لوصيف:

وللنيل حضور في شعر عثمان لوصيف ، فبين مديح وفخر يتغنى بأمجاد النهر الجارية نحو الخلود ،وكدأبه يتناول الشاعر الأمكنة والمدن والطبيعة بحسّ رومانسي أخاذ لأنّ” الشعر لا يقول أشياءه في اللغة المعتادة. إن له من اللغة ألفاظا وتراكيب تمعن في خلق جو من المعاني التي تعمل عملها الدسيس في النفس”46، وقد جاء في ذكره النيل:47


(النيل في النهار
أو تحت ندى السحرْ
والنيل في الغروب
أو تحت سنّي القمرْ
أيقونة من فضة
أو أرجوان يستعرْ)


مدينة ورقلة في شعر عثمان لوصيف:

أما مدينة (ورقلة) فيجعلها مبعثا للغناء وزهرة تستحق أن يغني لها الشعراء ، لماضيها وحاضرها ولأعراسها المقبلة وكأن أعراسها الحاضرة خرساء ، ويصفها بالزهرة وكأنه يشعر بأن “وردة الرمل لاترتوي بالندى” كما يقول الشاعر عمار مرياش، وجاز له أن يتغنى بزهرة المدائن:48


(دعيني أغنّ
لأعراسنا المقبلهْ
آهِ يا زهرتي
آه يا ورقله)


الأمازيغ في شعر عثمان لوصيف:

أما مدينة (تيزي وزو) فيستحضرها وتاريخَها وأصالتها بصوامعها وزواياها وقرآنها وعراقتها ومآذنها، وعزتها الأبدية ولو كره الكارهون ،وبكل أنساقها الظاهرة والمضمرة، وبمدّخراتها الصوفية وممنوحاتها الفكرية التي تحسسنا بأنه شاعر عارف, يرد على كل من سوّل له قبحه أن يرمي مدينته بسوء وتفسخ، فكل مافيها عال وشامخ ومدعاة لكل تواق إلى الزهاد المتصوفين عشاق الجمال الروحي الخالد:49


(تيزي وزو
قمم تتشامخ عاليه
متعاليه
قرآن يتلى
ومآذن تتصادى
في الآفاق وتعتز
وأنا المتصوف فيك
الغارق فيك
أناالموقظ ريحك
المستنفر روحك
وأنا اللغز اللغز)


تأنسنُ المكان و تشيُّؤ الإنسان:


لا يخلو الشعرُ العربي – كما الجزائري – من حسّ اغترابي كبير ، عكسته المدوناتُ الشعرية لمختلف الأجيال والاتجاهات ؛ وليس أقرب لدى الشعراء من أن يلوذوا بما ومَن يمنحهم الأمان و الحميمية ويملأ أرواحَهم الشاغرةَ الشاعرةَ الوطنَ المفقود .

ولقد وسعت الأمكنةُ أرواحَ هؤلاء فدنوا منها كما الطبيعة واستأنسوا وسلموها أنفسهم وديعين ودخلوا تفاصيلها آمنين، ومن ثمّ يمكننا أن نتحدث عن تأنسن الأمكنة وما بث فيها الشعراءُ من أرواحهم ومن قيم الإنسانية السمحاء، في زمن خلت أصناف بشرية كثيرة من هذه العواطف النبيلة والأهواء الراقية فتشيأ الإنسان.

وبين تَأنسن الطبيعة والأمكنة والأشياء وبين تشيُؤ الإنسان ، تنسج كثير من مقولات الذات ، ويتغير كثير من مفاهيم الأنا والآخر ، ولعل الشعراء الأكثر حسا واغترابا وانكسارا نتيجة هذا الانقلاب القيمي الأهوائي الإنساني.

وحين نتتبع المدونة الشعرية”العثمانية” نستشعر تلك الفلسفةَ المكانية المختلفة بين الذات الشاعرة وذاتِ المكان في شعر عثمان لوصيف.

حيث تتلبس كثير الفضاءات الإنسانيةَ قيما وعواطفَ في عز تعري الإنسان منها، وتتجلى تلك المبادلاتُ في الأدوار من خلال صفات عديدة إنسانية تتقمصها الأمكنة بكل مؤثثاتها، فيميل الشاعر إلى الأشياء والأمكنة الحميمة كلَّ ميل ، ويجسد هذا المقطعُ ثنائيةَ” التأنسن والتشيؤ” ، حيث تستحيل المدينة بشرا سويّا، معبودة الشاعر:50


(آهِ معبودتي”
أوقدي النار إن الظلام يحاصرنا
والمدينةُ ترتج مذعورةً
من دويّ الصواعقِ
والموتُ يركض عبر الشوارعِ
والزمهريرُ يزمجر في دمنا
أوقدي النارَ واقتربي
ثم قولي أحبكَ
ولننصهر
هذه الطينة البشرية
في شعلة خالده”)


إنه تشخيص المكان وأنسنته ؛ حيث يركض الموت كالحيوان أو البشر، ويزمجر الريح كالأسد، فقد منح الشاعرُ الجمادات والاشياءَ روحا بشرية ، وهي فلسفةُ أنسنةِ الأشياء وبثها” الانفعالات الوجدانية.

هذه الحياة التي قد ترتقي فتصبح حياة إنسانية.. تهب لهذه الأشياء عواطف آدمية، وخلجات إنسانية “51 ، ويتأنسن المكانُ شعريا في “أعراس الملح ” الحزينة، فيُشنق البحر كالمسجون، ويبكي زهرُ اللوتس كاليتيم، و ماتلاهما بحزن مقبورٍ في ذات الشاعر والمكان معا كما جاء في هذاالمقطع:52


(وانكسرنا..أه يامقبرة الورد سلاما..حبنا ينزف..كان
البحر مشنوقا ، وكانت زهرة الشمس على أنقاضنا تبكي.
.وأسراب السنونو والمناديل وأكواخ اليتامى..
كلها همت ولجت في تراتيل الوداع)


ولعلّ اشدّ المقاطع الشعرية “العثمانية” إيلاما للذات القارئة تلك الصور التي التقطتها الذات الشاعرة حين تماهت فراودت الذاتَ المكانية فهمّا معا، في فلسفة تحكي الميل “الأنسني” الرهيب للأشياء، لدرجة التماهي والذوبان وإقامةِ علاقات إنسانية شيئية غير منطقية بمنطق العادي.

غيرَ أن الشعر والبلاغة يمنحان الذوات قوانينَ جديدة وحرياتٍ كبيرة وشرعيةً فنية نادرة، فحين يتزوج الشاعر النارَ ، ويهوى نيزكا ويلوذ بكهف مخافةَ الذئاب البشرية صادحا بالحب الإلهي الجارف ، ينشد حريته الكبرى.

من خلال كل هذا الانحلال الشعري اللافت والانفتاح الدلالي الرهيب، والتحرر القرائي الشديد للمكان بوصفة وثيقةَ تحررّ لا قيدَ عيودية وحيزَ تكميم وتعتيم، فالحرية “في أكثر صورها بدائية، هي حرية الحركة.

ويمكن القول إن العلاقة بين الإنسان والمكان تظهر بوصفها علاقة جدلية بين المكان والحرية. وتصبح الحرية في هذا المضمار، هي مجموع الأفعال التي يستطيع الإنسان أن يقوم بها دون أن يصطدم بحواجز أو عقبات، أي بقوى ناتجة عن الوسط الخارجي، لا يقدر على قهرها أو تجاوزها”53، وهذا ما ورد في شعر عثمان لوصيف:54


(أتزوج النار الزكية ساقطا في بشر هذا الليل أهوى نيزكا
في القاع ينقني مناخ الموت ، تنهشني الذئاب العمي


تغمرني ركامات الرماد ن أرتب الحب الإله ،فتصرخ العنقاء ملء دمي
وانهض في المقابر ثم امضي في كهوف الموت أمضي


أضرم النيران في كل اتجاه، في هشيم الريح،في الأنهار،في
جثث الطيور وأرتمي في لجة النيران أعتنق الحريق).


خاتمــــــــــــة:


نختتم ورقتَنا هذه بأهم ماخلصنا إليه جرّاء هذا الاقتراب النسقي من فلسفة المكان في شعر عثمان لوصيف :


– إنّ المتتبع للظاهرة الشعرية عند عثمان لوصيف سيتحسّس الحضورَ المكانيَّ اللافت والمتميز ؛ ويمكن عدّه شعرا مكانيا بامتياز .


– الأهم من استحضار المكان شعريا هو الوعيُ به واستنطاقُ مقولاته وتحسّسُ جمالياته واكتساحُ مستوياته شعريا ، ومخاطبةُ أنساقه الظاهرة منها والباطنة المضمرة، وهو ما لمسناه في النصوص المستهدفة.


– لاذ الشاعر بالطبيعة أمكنةً وتفاصيلَ ومؤثثاتٍ ، فاستحضر عناصرَها بحسّ رومانسي أخاذ ،ولكن بنزوع حزين زاوج بين التألم والتأمّل.


– لم يلجأ الشاعر إلى الطبيعة شاكيا ضعيفا لتمنحه الأنسَ بقدر ما اقترب منها قويا بفلسفةِ منحِها رؤاه وبثٍّ مكنوناته.


– لم يكتفِ الشاعرُ باستحضار الأمكنة الواقعية الأليفة منها والمعادية الموحشة ، إنما عمد إلى خلق أماكن وعوالم جديدة عجائبية أسطورية تخييلية علّها تسع رؤاه حين ضاق به المكان الحقيقي الممكن الواقعي.


– بدا الشاعرُ مدّاحا للمدن مؤرخا لها باثا إياها حنينَه وتعبَ أسفاره السندبادية الشاقة .


– كانت المدينةُ معادلا موضوعيا للمرأة الحبيبة العشيقة والحب والحياة المنشودة.


– يستحضر الشاعرُ المدنَ بأنساقها الظاهرة والمضمرة تاريخا وفكرا وحضارة وأهواء، عاكسا بذلك قراءاته العميقة للمدينة.


– أنسن الشاعرُ المدنَ والأمكنة باثا فيها من روح الإنسان وقيمة وعواطفه، مقارنا بذلك بين الذات البشرية “المتشيئة” والذات المكانية “المتأنسنة”، لكي يحدثنا عن الاغتراب بوصفه ظاهرة إنسانية جارفة تجلت في الشعرية المعاصرة بقوة.


– قارب الشاعرُ المكانَ بحسّ إنساني كبير ، وأقام علاقاته الفنية مع كل عناصر المكان، واستدعى لذلك الحواس جميعا فتداعت ، فاستشعرنا حوار الألوان والأصوات والصور جليا في النصوص الشعرية.


– عثمان لوصيف ؛ فقيد الشعرية الجزائرية والعربية المعاصرة ، يبقى علامة فنية فارقة ، وسيحفظ له مجدَه الشعريَّ تاريخُ الأدب.

لقراءة المزيد حول الشاعر عثمان لوصيف, اضغط على الرابط:

https://www.echoroukonline.com/%D9%87%D9%83%D8%B0%D8%A7-%D8%A3%D8%A8%D8%AF%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D8%B9%D8%B1-%D8%B9%D8%AB%D9%85%D8%A7%D9%86-%D9%84%D9%88%D8%B5%D9%8A%D9%81-%D9%81%D9%8A-%D8%B5%D9%85%D8%AA-%D9%88%D9%88%D8%AF/

لقراءة المزيد من التحليات والكتابات الابداعية:

https://art-analyse.com/category/%d9%83%d8%aa%d8%a8-%d9%88%d9%85%d8%a4%d9%84%d8%ba%d9%8a%d9%86/%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d8%a5%d8%a8%d8%af%d8%a7%d8%b9%d9%8a%d8%a9/

بقلم الاستاذ علاوة كوسة.

1 تعليق

  • I’m commenting to let you be aware of of the amazing discovery my child developed browsing the blog. She came to find a good number of details, including how it is like to have a great coaching character to get a number of people clearly completely grasp a number of advanced issues. You actually did more than her desires. I appreciate you for churning out such beneficial, dependable, edifying and cool guidance on that topic to Emily.

أترك تعليق