قصة مجنون ليلى, نور الدين رقعي.



عَبس الشِّعر وتولّى، إذْ جاءته من أقصى الاهتمام والمقروئية أجناسٌ أدبيةٌ تسعى، وتلْقى رواجا كبيرا، كالرواية التي سطت على عرشه قبل أن ترتد بصيرةُ أهل الشعر إليهم، وعبس حين خاض في كتابته الخائضون بغير حسّ فنّي ولا علمٍ بكينونته.

باستثناء أسماء شعرية وفية، ماودّعت مراسيلَها الشعريةَ وماقلتْها، وظلت تعيد إليها الألقَ الساحر والحياة وهي رميم، وتحفظ للشعر ماءَه في زمن تصحّرت الصحائفُ وذبلت الأقلام.. وغدت هشيما من الخواطر الساذجة تذروه الرياح.

تِلكم الأسماءُ الشعرية النادرة التي خلُدت تتمسك بعراه الوثقى، ليبقى الشِّعرُ – كما كان – ديوانَ العصر كلِّه.

ومن هاته الأنوارِ الشعرية التي تبعث على الأمل، وتبعث في قرائها الجمالَ والدهشة، والتي ظلت ترقّع مااستطاعت أكوانا شعرية فُضّت بكارتُها غصبا.

تلكم الأنوار المنبعثة من شاعر”طاغست” العاشقِ حدَّ الجنون،الحزينِ حدّ البكاء، المتصوفِ حدّالعراء، الحكيمِ حدّ النبوة، الغامضِ حدّ التيه، الواضحِ حدّ الانكشاف والتجلي.

هو الشاعرُ الذي بكى واستبكى حين وقف فاستوقف، وغنّى فاستغنى،وعبس فاستولى على مساحات شعرية شاسعة وما تولّى يوم َ الزحف الشعري المعاصر.

إذ قذف المسُّ الحداثي الرعبَ في كثير من أترابه وأنداده ،وكان ممن عشقوا الشعرَ فعاشوه وانكتبوا من خلاله إذ اكتووا به ومابدلوا تبديلا.

شاعرٌ شابَ وليدا في حضن أمٍّ خلّدها شعريا كما خلّدته طفلا مطيعا وديعا، وخلّد المكانَ بعمق وفلسفة، متنقلا بين مساقط قلوبٍ كثيرةٍ ومراقي أفئدةٍ لاتنتهي.

فمن “طاغست” ومن حمى “أوغست” و”تدمر” و”إيدوغ” ومرابع الطفولة والشباب والكهولة المطلة، ظل محتفيا بأحضان أمكنة تبنّته في زمن الغربة وأعاصير الاغتراب الذي ظل متسربا من مسامات كلّ نصوصه الشعرية.

شاعرٌ غنّى بحزن لوطنه ولإفريقيا وللآفاق والأمجاد وللرؤى، وقاسمَ أبا القاسم الشابي صدورا “مشروحة” وقمما شامخة بآفاقها المفتوحة.

وقاسم الأيتامَ لياليهم الباردة، والعشاقَ حرائقَهم، والتائهين صحراءَهم، والمشكاكين أهلّتَهم العرجونيةَ القديمةَ المستترةَ كحب قديم، شاعرٌ أحب الوطنَ فقدّسه ودسّه في القلب أغنيةً خالدة.

بعيدا عن نفاق اللغات وخبث النصوص المنبرية التي لاتليق بوطن سكننا وسكنّاه بحب وقدسية.

شاعر ظلّ يغرّد في حمى خليلية متزنة ، وبات يرقص كموجة غنّاء على بحور شعرية تسعه طوعا وتنكتب من الغاوين حين يرفع ألوية َالشعر إلى جحيم المعاني الراقية المتجددة كجلود تحتضن الألفاظَ والمعاني بحب وتضحية ولو في الجحيم..!!


هو الشاعر الذي وهب” ليلى” حبَّه وقلبَه وحياتَه و اسمَه ورسمَه، فكانت عنوانا أبديّا لرحلته، وتغنّجت رباعية َ الأحرف على خيام شِعره، فوسمت ديوانَه باسمها.. إنها “ليلى” لغةُ الشاعر وبيتُ وجوده.

ليلى..ذاتُ الثلاثين نصّا من عمرهما العشقي معا..ليلى.. أو حينما يقرر الشاعر ُ (نور الدين رقعي ) أن يكون” مجنون ليلى”.. فيدخلنا في عبادتها.. وفي جحيمها وجناتها راضين مرضيّين، حائرين متسائلين.

ليستوي وحدَه لاشريك له على عرش العاشقين المجانين.. إذ تأتيه ليلاه وقد ردّ للشعر ماءَه ، واسترد الشعرُ به (وبجيل ذهبي من أقرانه) بصيرتَه فمكانته.


إنّ للشعر أهلَه، وإنّ لليلى “الرّقعية” عاشقا يحميها!!

لقراءة المزيد حول الكاتب:

https://www.djelfa.info/ar/art_culture/9588.html

لقراءة المزيد من المواضيع الروائية:

https://art-analyse.com/category/%d9%83%d8%aa%d8%a8-%d9%88%d9%85%d8%a4%d9%84%d8%ba%d9%8a%d9%86/%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%a7%d8%aa/

بقلم علاوة كوسة.

0 تعليقات

    أترك تعليق