تحليل رواية روائح المدينة.


لماذا شفّر (حسين الواد) مدينته وغلّق علينا أبوابها!!!؟
” من ليس له مدينة كمدينتي لايصلح له هذا الكلام ” حسين الواد(روائح المدينة)

المكان في رواية روائع المدينة:


يحتلُّ المكانُ حيّزا هامّا في مجال المقاربات النقدية المعاصرة للرواية العربية ، بوصفه مكوّنا رئيسا ، ذا مقولاتٍ عميقة، ودلالاتٍ مختلفةٍ يكتسبها من خبرة الروائي، ويُكسبها النّصًّ الروائيَّ أيضا ، وتعدّ “المدينةُ” أحدَ أهمّ الأمكنة وأكثرَها حضورا في المدوّنة الرّوائيةِ العربيّة والغربيّة المعاصرة وأشدَّها اختلافا في التناول و التوظيف ؛

فإذا كان حظُّ “المدينة” عظيما في المقاربات النقدية الغربية والعربية للنّصِّ الشِّعري ، فإنّ حضورَ المدينة في المتن الروائي لم يكن أقلَّ شأنا ومقاربةً محايثةً لدى نقادِ الرّواية والمهتمين بأمرها والمشتغلين على مكوناتها ، وجمالياتِها ومقولاتِها المتجدّدةِ عبْر كلِّ نصّ روائيٍّ يُحسن استحضارَ “المدينة” بوعيٍ وعمقٍ وجمالية ، بعيدا عن النّمطية والسّطحية والابتذال.

الجمال الفني في رواية روائع المدينة:


تعدّ روايةُ “روائح المدينة” للرّوائي التّونسيِّ “حسين الواد” ، من النماذج التي يُستحسن أن نمثّل بها لهذا الاستحضار الجماليِّ العميقِ لفضاء المدينة ، بكلّ سياقاتِه التاريخية ، ومسيّجاتِه الإيديولوجية ، ومرافقاتِه السّياسية ، ومقولاتِه الاجتماعية ، وحفرياتِه في الذّات الإنسانية.

وحيثياتِه الجمالية ، وإشاراتِه الفنّية ، حيث تحالفت كلُّ هذه المقاربات الواعيةِ لفضاء المدينة في هذه الرواية لتأسر القارئَ متحرّرا من الفهم النمطي الجاهز لمفهوم المدينة ، ولتستفزّه متأوِّلا دلالاتِها العميقةَ الأمّارةَ بالحفر في طبقات هذا الفضاءِ المنفتحِ دلاليا.

المنغلقِ على مقولات لايعلم تآويلَها إلا الراسخون في” فقه المدن” الروائيّة كتابةً ونقدا، والعارفون بروائحها الحمّالةِ للمنطوق به من مقولاتها المغيَّبة ، وللمسكوت عنه من إشاراتها المستحضرة داخل النّص الروائي ، وهو ماسنحاول الخوضَ فيه من خلال هذه المداخلة ، آملين أن ندخل”المدينةَ الحسينية” التي قال عنها صاحبُها في عتبة صادمة مُقْتَبلَ الرواية:

” من ليس له مدينة كمدينتي لايصلح له هذاالكلام.


عتبات المدينة / المدينة الموازية:


توزعت مقولات المدينة في هذه الرواية على عتبات النّص مثلما توزعت في متنه ، لذا حاولت في أول القراءة أن أتحسس هذه المقولاتِ على مستوى الخطاب العتباتي ، انطلاقا من عنوان الرواية “روائح المدينة” والتي تعني في ما تعنيه أرواحَ المدينة وأناسَها وسكانها.

“وعند الاشتراك والتفاعل تتراوح الروائح ، كأنها الشخوص تشق منها الروح تلو الروح فتخرج بكسر جمعها”أرواح” تنتشر في المسرح الروائح وتقشعر من صرفها الظهور وترقص الأشباح في مدينة الأوهام والرياء)25 ،

وماالروائح على اختلاف مصادرها ومصباتها وتوجهاتها وتقبلاتها سوى الأفراد بمختلف إيديولوجياتهم وأصولهم وتنوعهم وتمازجهم ودرجات تقبلهم من بعضهم ومن الآخر ، ليكونوا أولا وأخيرا محكومين بعقد مواطنة ماداموا أبناءَ المدينة الواحدة بتاريخ مشترك ومستقبل واحد.

ومثلما الروائح أنواع مختلفة إذا اقترنت بمقولات المتن ، فإنها تستند إلى ألوان مختلفة لشرائح مختلفة ، وتلك الألوان تجسدت في لوحة الغلاف ( لوحة الغلاف لرسام شعبي من ري ودي جانيرو البرازيل) ، هذه اللوحة البرازيلية الأصل ، التونسية الإسقاط ، بألوانها المختلفة التي تتنازع في مابينها التشاكل والاختلاف.

فبين الألوان الحارة والباردة يتجلى الصراع والتضاد البشري الكبير ، وبين الألوان الفاتحة الضاربة في الانفتاح والألوان القاتمة الموغلة في الغموض ينعكس الشرخ الكبير والتضارب المرير بين سكان المدينة فيما بينهم ومع أجوارهم الذين ظلوا يتكارهون معهم على حدّ مقولات الرواية.

ففي تعدد الألوان ن وتنوعها بين الزاهية الحارة والباردة الحزينة، تنوع روائح المدينة واختلافاتها واختلالاتها ، خاصة إذا دققنا في اللوحة وتحسسنا الرؤية الغبشة غير الواضحة لمعالم المدينة، خلل البنايات والبنيات ، والعقليات والأرواح فالروائح والحواس جميعا.


نتوقف عند عتبة أخرى من العتبات التي جعلها حسين الواد مداخلَ مختلفة وأبوابا متفرقة لندخل منها آمنين مرتبكين متأولين مختلي الموازين القرائية ؛ إنها عتبة الإهداء ذات القوة المركزية الطاردة الجذابة.

فأما من حيث إنها طاردة فلأن حسين الواد يخيرنا بين أمرين أمرهما حلو وأحلاهما مرّ فإما أن تكون لنا مدن تشبه مدينته وإما ألاّ نكون معنيين بكلماته ، وهنا نجد أنفسنا معنيين بقراءة الرواية والتعرف على مدينته لنقارن بعدها بين مدينته ومدينتنا وهنا كنا مرغمين على أن كلماته تعنينا في الاتجاهين والحالتين معا.


” من ليس له مدينة كمدينتي
لايصلح له هذا الكلام”26


لكأني به يفصل في أمر الانتماء من أول عتبه ، ويصرح لايلمح بهذا الإسقاط المكاني في الإهداء بأنّ المدينة لمن يعيها لأنها قفص أرواحنا، وشبهنا ، وصورة طبق أصل ذواتنا وأهواائنا وميولاتنا، فالأماكن كالمدن كائنات حية لاتقبل إلا حيّا واعيا بها.

فمثلما نعيش فيها ونمارس ديمومتنا من خلالها فعلينا أن ندرك أنّ”كل مدينة تولد فتمارس ثقافة خاصة بها كما أنها تكيف الأشياءَ والكائناتِ من حولها على أساس نمط حياتي تتميز به عن غيرها من المدن الأخرى”27


يعدّ التقديم الغيري ذو الطابع المقامي لصلاح الدين الشريف، الذي قدّم لنصّ بنص وتيها بتيه ومعجما قديما بمعجم أقدم معتّق، ولاندري أيحسب ذلك له أم عليه؟ الذي عتبة قوالة أيضا وقد وسم تقديمه ب: (الروض الفاوح في مقامات الروائح) قائلا:

” والمكان مدينة ، أمكنة ولامكان ،لاتعرف أهي في آخر المحيط كواق واق “28 ، مضيفا بأنّ”مدينة الروائح ياصاح مسرح أبطاله الروائح ، أبطاله أشباح..كيف تُرى الأشباح؟؟”29


لا أعدّ الاستهلال الذاتي للروائي حسين الواد عفويا أو بريئا خاليا من دلالات ومرامٍ عميقة ، والاستهلالات فنون واستراتيجيات ، ومما استهل به الروائي نصّه في بطاقة تعريف وهوية بمدينته :

“لمدينتي هذه التي يحسدنا عليها جميع الأجوار يستكثرون اسم المدينة فيها ويزعمون أنها قرية مثل القرى التي يسكنون روائح آية في الغرابة والعجب ، روائح تنبعث وتعبق وتتضوع وتزكو وتنتشر وتتأرجح وتسرح وتخطر وتسطع وتفوح وتعرج وتعجّ وتتأجج وتتوهج وتمرح وتتهادى وتفعم من وفي وعلى أرضها وفضائها والسماء مرحةً أسيانة غضوبا قطوبا لعوبا طروبا مندفعة محتدمة متأودة مكسالا عبوسا مغناجا ضحوكا متمردة ثائرة جذلى متعجرفة معربدة مزغردة نشوى في الصباحات والأصائل والعشايا”30.

إنها مدينة الأشباح الليلية كما قال صاحب التقديم مادام ليل المدينة مختلفا ،”أما الليل في مدينتي هذه التي أورت صدور جميع الأجوار فلطائم من المسك والفل والورد والقرنفل والنرجس والبنفسج والزعفران والبهار والعود والند والعنبر والعرار والسوسن والزنبق واللآس ومن أشياء أخرى زكية ذكية مذهلة شهية مدوخة يقسم أهلها بأغلظ الأيمان انها أكبر من الكلام”31


توقفتُ( على عجل فنّي) عند تلك الحواشي والهوامش السفلية المتعالية دلاليا والتي جعلها الروائيُّ هوامشَ شارحة للغة أهل المدينة ومعجمهم وماتعلق بعمارتهم وأدواتهم ، ففي الحواشي تتجلى المدينة لغة ودلالات ومعجما وتفاصيل، ومنها هذا الهامش الشارح لمقولة واردة في المتن(يقسم أهلها بأغلظ الأيمان إنها أكبر من الكلام) وجاء في الهامش:

“الراوي ولكل كلام رواته معلم نابه أدرك النباهة بعد فوات الأوان لم يفد ولم يستفد كان دائما يقول:أتساءل عن الشيء فلا اعرف ماهو وإذا لم أتساءل عرفت أنه موجود ، كان مولعا بالتنقيب في المعاجم والقواميس أما الهوامش فهي من المؤلف”32 ،

أما الهامش الثاني فجاء شارحا لكلمة ‘البايات’الواردة في المتن، وجاء فيه أن “مفردها باي واللفظة تركية كانت تطلق على الوالي الذي حكم بلادنا إيالة عثمانية إلى سنة 1956والعامة نسقط الألف وتقول’بي’ وتعتبر كل من حاشيته قيادا (ينطقون القاف مثل الجيم القاهرية)”33 ،

ويشرح في حاشية أخرى قائلا:”الجليز خزف رقيق أو سميك تبلط به الأرضيات وتكسى به الجدران منه ماهو موحد اللون ومنه المزوق بالأشكال والألوان”34 ، ويتوقف بنا في حاشية أخرى شارحا كلمة’صبايحية’ التي يتداولها أهل المدينة فيقول:

“مفردها صبايحي وهي لفظة تركية لدى أهل مدينتي على العون الذي يقول لرئيسه من أصحاب الوظائف’صباح الخير سيدي’ ويسعى بين يديه وهي تكاد تختص بالشرطة التي تجلب الناس للمحاكم”35

ويشرح في حاشية أخرى لهجات المدينة ممثلة في مفردة’البيوعة’ الشائعة بين الأهالي وهي كلمة”مفردها بيوع وهو الواشي المخبر الذي يقوم بعمله ذاك مكرها أو متطوعا تزلفا للسلطة ورغبة في التقرب منها اللفظة مشتقة من باع يبيع”36 ، ونلاحظ أنها كانت جميعها حواشيَ شارحةً وهوامشَ ذوات مقولات مرتبطة بالمدينة لغةً ومعجما وتاريخا.


فضاءات المدينة/ أرواح المكان:


إنّ هذه المدينة هي رواية روائح ، وهذه الرواية هي مدينة أرواح ، حيث يحدثنا علي عبد الرؤوف عن روائح المدينة لحسين الواد واصفا إياها بأنها “مدينة مسكونة بالروائح النفاذة الميزة فتغدو الروائح أرواحا تحيل إلى مراحل آفلة وأمكنة مندثرة وذكريات تتوارى خلف أحزانها.

هنا يتحول الكاتب إلى عالم أنثروبولوجيا يسجل ويرصد القصة الإنسانية للمدينة ، التي يكونها من مجموعة من الفصول يناقش في كل فصل منها مكانا من تلك الأماكن الأكثر أهمية في حياة المدينة التي تتشكل خلالها وأحيانا بسببها التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية.

ومن الأماكن التي ينتقل الكاتب خلالها الجامع القديم ثم معاصر الزيتون وعوالمها ومنها إلى الأسواق ثم الحمامات وأيضا حارة اليهود وكل هذه الأماكن تسرد سيرتها من حقبة الاستعمار إلى حقبة الاستقلال إلى اللحظة المعاصرة”37 .

و يحدثنا حسين الواد عن مجموعة من فضاءات مدينته انطلاقا من الجامع القديم من حيث لايود الحديث عنه فيقول:”أنا لا أتحدث عن الجامع القديم الذي تنبعث من ميضأته تلك الرائحة لولم تكن بمدينتي ثلاثة جوامع أخرى لارائحة لها”38.

ويحدثنا عن الحبس المقدس المدنس بامتعاض وفخر في آن فيقول :” أنا لا أتحدث عن روائح أخرى بمدينتي كانت تنبعث فيها من ناحية الحبس ، فلا أنا أحب الأحباس وروائحها ولا أهل مدينتنا يستطيعون الكلام عنها…

كانوا لايحبون حبسهم ولكنهم يعتزون به يعتبرونه دليلا قاطعا آخر على أن مدينتهم مدينة حقيقية لاقرية من القرى مثلما يزعم أجوارنا الذين يكرهوننا ويحسدوننا عليها”39.

ومن الفضاءات العريقة في هذه المدينة الحمّام ، ” فالحديث عن روائح الحمام كالحمّام نفسه ليس الدخول إليه كالخروج منه…لكن بمدينتي قبل أن تصبح مدينة كاملة الأوصاف خمسة حمامات مشهورة كلها في كل حارة من حاراتنا الأربع حمام وفي حارة اليهود حمام خاص”40.

وللقمامات روائح وأرواح ، و” أنالاأتحدث لأنه لايليق بمدينتي أن أتحدث عن روائح أخرى تنبعث منها تعبق بها دورها لأنها روائح زبالة وماء آسن متعفن تتحلل فيه النفايات كناسة وإفرازات بشرية وحيوانية وجيف فئران وجرابيع وكلاب وقطط وأرانب ودجاج يرمي بها الناس بعيدا عن دورهم في تلك المجاري الضيقة التي تتوسط الانهج والأزقة والشوارع”41.

تماما كما لايحب التحدث عن فضاءات أخرى يحسن الحديث عنها ومنها مصانع الفخار ، ” أنا لا أتحدث عن روائح الأدخنة الهائجة على مدينتنا من أفران حرق الفخار والآجر المنتشرة في شمالها الغربي وجنوبها شرقا فأجوارنا الذين يكرهوننا كثيرا ما كان الواحد منهم يقول لصاحبه يوم السوق الأسبوعية بصوت مرتفع’ياقليل الفهم يارأس الطفل’أو’قل لي في رأسك ياجورة أم ماذا’ يريدون إغاظتنا”42


يحدثنا حسين الواد عن أماكن أخرى فتحت أبوابها للهو والمجون وقد انتشرت في أرجاء المدينة فواحة بالدنس والخطيئة كما يجهر بذلك إمام الجامع صارخا”هاهم عباد الله ينشرون الموبقات ويفتحون للفروج والدبور البيوت تمارس فيها الرذيلة وتغتال الفضيلة ويزهق العفاف أمام الخاص والعام”

43 حيث”كانت هذه البيوت مستورة في الخفاء متكتمة متحجبة منزوية منكمشة على همها يدل الناس عليها بعضهم بعضا في الخفاء وبالتلميح وإن كان لايجهل مكانها أحد”44.

غير أن المثير للدهشة هو افتخار أهل المدينة بالماخور” عندما أصبحت مدينتنا مدينة أصبح فيها ماخور مشهور شهرة سوقنا الأسبوعية ن ليس لماخور مدينتنا مثيل في أي مدينة من المدن يقول هذا الكلام أهلها كلما عرضوا لذكر الماخور وقصته”45 .

وبهذه الأمثلة نشعر أن حسين الواد قد أتى على جل الفضاءات المتاحة في المدينة بذكرها والحديث عن تفاصيلها ومحاسنها ومساوئها أيضا ، ليكتب بذلك سيرة مدينة فصولا وأجزاء.


ألسنة المدينـــــــــــــــة في رواية روائع المدينة:


لسانُ الدّين بين التطرف والطرافة:


لا تكاد الرواية التونسية المعاصرة تخلو من مقولات التطرف الديني والعنف بكل أشكاله ، ويعد حسين الواد أحد هؤلاء الروائيين الذين حفروا في طبقات التطرف والعنف والدين بشيء من الذاكرة والاستشراف الواعي المؤسس.

فحينما يحدثنا عن الجوامع الثلاثة في أمثولة المذاهب الدينية بداية بالجامع القديم(السلفي) لتصير مذاهب أربعة شتتت الأمة ونثرتها طوائفَ وأحزابا وكل حزب بمالديهم فخورون فرحون ، فيقول:

” أنا لا أتحدث مهما غضبت لمدينتي عن الروائح المنبعثة من ميضأة جامعها القديم فتلك روائح كثيرة شديدة الانتشار في بلاد الإسلام الواسعة روائح الفتها حتى لم تعد تنكرها الأنوف أخلاط من الماء والبول والرطوبة وأحيانا من الثلط والبراز تسطع قوية صلبة نفاذة ثاقبة ثقيلة قاسية في الأصباح والظهائر تنقطع من حدتها الأنفاس تدمع لها منها العيون روائح عطنة نتنة خبيثة فظة متنطعة متعجرفة وفجة معربدة”46.

وأما الجامع الآخر على عهد الاستعمار فهو” الجامع الثاني عدا الجامع القديم إذ يرفض أهل مدينتي إدخاله في الحساب لأنه عندهم أزلي من بنيان الأوائل فقد بنته دولة الاستعمار والحماية في مقايضة مشهورة لبناء بيعة بحارة اليهود كان المنافحون عن مدينتنا قبل بناء الجامع والبيعة وحتى بعد بنائها كثيرا مايقولون في المنافرات العديدة التي كثيرا ماكانت تحدث بينهم وبين أجوارهم سكان القرى القريبة..هل استهوت قرية واحدة من قراكم يهوديا واحدا فاختارها للسكن؟ “47.

فأما الجامع الآخر على عهد دولة الاستقلال فهو” الجامع الثالث عدا الجامع القديم دائما فقد بنته دولة الاستقلال والسيادة أول عهدها بالاستبداد بالبلاد أعلن عن بنائه وزير من وزرائها “48.

وهنا يلمح بل يصرح إلى تسييس الجوامع ودور العبادة واستغلال الساسة للدين مثلما “أطلقت البلدية على الحي اسم حي النخيل وسمت الجامع الذي استغرق بناؤه بضعة أعوام’جامع الاستقلال’ .

أما أهل مدينتي فقد سموه’جامع الاستغفال’ مدة و’جامع الاستغفار’ مدة وعندما نشطت حركة الملتحين سماه أنصارها’جامع الغفران’ أشاعوا أن أميرا طاهرا ورعا نقيا تقيا من أمراء البترول تبرع له من حر ماله الحلال بحفنة من آلاف الدولارات”49

لا تخلو الرواية من الحديث عن التطرف الديني الذي شهدته تونس عبر تاريخها جراء هذا الاستغلال والاستغفال للدين وللشعب بطريقة بشعة ،وذلك “عندما عبقت الجوامع بروائح الملتحين وعمرت بها صدور الغلمان والفتية وتضوعت بكثير من الدور والأزقة وآنست طائفة منهم في جموعها العزم والقوة أقبلوا على التظاهر والترويع والترهيب والتهديد”50 ،

والأخطر هو الالتفاف الشعبي حول هؤلاء المتطرفين” عندما شرعت دولة الاستقلال والسيادة في التضييق على الملتحين من رواد المساجد وتعقبهم انحاز أهل مدينتي إلى صف الملتحين”51.

وأحلت فأهدرت الدماء ، حين” ارتمى عليه بعض الملتحين جعلوا يدفعونه ويجذبونه خنقه أحدهم حتى برزت عيناه صاح به آخر: الحمد لله إذا مكن منك يا عدو الله اليوم ادخل الجنة بدمك”52 ن حينها بلغ الأمر إلى درجة التكفير ، حينما”شوهد الحاج نصر يقول لأصحابه في حانوته وقد ازرق وجهه من شدة الغضب:

لم يبق إلا هذا ابني يكفّرني قال لامه إن لم تضعي الحجاب الذي أشير به لن أعترف بك أما…التفت إلي وقال إما أنت وأمثالك فقريبا تساقون إلى المشانق”53

التاريخ في رواية روائع المدينة:


لسانُ التّاريخ/سيرة مدينة:


إن الرواية” تمكنت من إعادة رسم الأحياء القديمة مع ملامحها المعمارية والعمرانية التي محيت على وجه الأرض وإن قيمة الرواية أنها تكون أحيانا سببا في إعادة الاعتبار إلى الذاكرة التاريخية..ومن هنا فقد استعادت الأعمال الروائية ملامح مدن عربية وأماكن تاريخية لم يكن في مستطاعنا أن نراها دون هذاالمستوى من الإبداع الروائي”54 .

فكان جديرا بحسين الواد أن يعترف من خلال نصه هذا :”كانت مدينتنا في تاريخ قديم جدا مدينة عظيمة جدا دب فيها خراب عظيم جدا لم يبق فيها شيئا قائما ظلت تخرب وتخرب حتى مرت بها قبيلة موتورة خربها طول التشرد والترحال.

ظلت تلك القبيلة تظعن وتظعن حتى وقفت على خرائب مدينتنا فجعلت تتأملها تقيس عليها خرابها وتعتبر وحطت فيها الترحال أقامت الجامع واختطت حوله المساكن”55 .

لكأنها قبيلة بني هلال أو قبيلة أسسها المهاجرون واتخذوا مسجدا كقباء مركزية دينية أسسوا عليها المدينة بعدها ، هذه المدينة التي احتلها العثمانيون احتلالا ناعما لتهبها لغيرها ممن تبعها بعبث وقسوة

“ففي مدينتي قبل أن تطأها وطأ خفيفا دولة البايات وتستبيحها دولة الاستعمار والحماية وتستصلحها فتمسخها دولة الاستقلال والسيادة وتدله بها حتى تطلقت وأدلت ولاحت كطالعة الشروق دولة العهد الجديد فيما يروج مفتريا المؤرخ الحزين بالضغط شماتة على الكلمات النابية إمعانا في إغاظتنا لنمعن في لعنه”56 .

ففي عهد البايات والتاريخ يحفظ ذلك”هبت الخيالة جرى العسس والحرس والصبايحية والهوادق والقوادة والبيوعة والمتملقون والمنافقون يسدون الطريق يملأون الفضاء يثيرون الغبار عبسوا تأهبوا للانقضاض لوحوا بالرماح والسيوف والبنادق والمدى والخناجر والهراوات والسلاسل والدبابيس”57.

فكان حريا بأهل المدينة أن يقذفوا بالبايات إلى مزبلة التاريخ وهو ما أشارت إليه الرواية حين” بنى هذا الجامع ابن من أبناء البايات لم يعد احد يذكر له اسما ف”البايات” أبناء كالباطل كثيرون”58.

إنه رفض للبايات وللاحتلال العثماني ومحو لهم اسما لارسما ، حين يقبر ويكنس العثمانيون وتخلد المدينة بعدهم ، كما تجلت لمسات الأندلسيين في معمارهم الذي لبسه جامع من جوامع المدينة ،إنه” جامع قديم تنبت في شماله الشرقي مئذنة ضخمة مهيبة أندلسية البنيان”59

السياسة في الرواية:


ألسنةُ السياسة/ محنةُ مدينة:


كان علينا دوما أن ننظر إلى”المدينة باعتبارها مركز انطلاق الأحداث السياسية والطبقية والتناقضات الكامنة فيها”60 .

وقد نقلت إلينا رواية ‘روائح المدينة’ تأثير السياسي وانعكاسه على المجتمع بين عهد الاستعمار والاستقلال”كنا في عهد دولة الاستعمار والحماية نسمع ونعرف ونعلم ونغضب ونسب ونشتم ونصرخ ونركل بأرجلنا وكنا في عهد دولة الاستقلال نسمع ونعرف ونتململ ونسكت نبلع السكين بدمها من كان يتصور؟ من كان يصدق؟”61.

سياسة التعاضد التي فرضتها الدولة فأرهقت الرعية” كان المؤرخ الحزين قد اقسم على ألا يكلم أحدا أقسم على ذلك عندما قال في سياسة’التعاضد’:

أولى بهم أن يسموها سياسة التهنيد”62.

قاصدا بذلك سهولة حصول الدولة على أموال الرعية والغير بطريقة أو بأخرى مهما اختلفت التسميات فالاحتيال واحد مع سبق الإصرار والترصد ومن أمثلة ذلك أنه عندما

” قبض الحرس الوطني على فلاحين من صغار الملاكين وساقهم إلى المحكمة متهمين بتخريب الثروة الوطنية كان قد مسك بهم وهم يقتلعون زياتين يمتلكونها قالوا:ملكنا ونحن أحرار فيه ، قال القاضي:

الزياتين ثروة وطنية لايجوز الإضرار بها إلا بإذن”63.

كما استغل السياسيون الوضع للاستيلاء على الممتلكات والتوسع العمراني بحجة توطين جوامع للعبادة”فالمدن وحدها هي التي يخرج غليها النازحون وأما الجامع فقد بني في قطب الهنشير تحيط به المتاجر والدكاكين ووراء المتاجر والدكاكين أقام الموسرون الجدد من خدم دولة الاستقلال والسيادة بيوتا فخمة في حدائق واسعة تفصل بينها شوارع مستقيمة فسيحة ذات أرصفة”64.

وإن أغرب صورة للمسخ السياسي في المدينة هو اختلاط اليمين باليسار وضبابية التوجهات السياسية وسراب التموقع والتحزب في بوتقة إيديولوجية قاتمة أذابت أرواح المدينة كما نقلته إلينا روائح المدينة.

فعندما”كان الصانع الذي اشرف على بناء الجامع قد تلطف واجتهد فنقش على رخامته فوق المدخل الرئيس حرفي”القاف” و”الباء” لكن اختلط عليه التدبير فجعل القاف على اليمين والباء على اليسار ومن يومها أشكل اليمين و اليسار على اهل مدينتي ظلوا إلى اليوم يخلطون بينهما لولا ألطاف الله بهم لكان قد لحقهم من ذلك بلاء كثير”65.

ومن صور إشكال اليمين واليسار على أهل المدينة مايتجلى في جلسات السياسين متظاهرين ممثلين على رعيتهم حيث”قال الوزير وكان يجلس على يمينه أو يساره السيد الوالي وعلى يمينه أو يساره رئيس لجنة التنسيق الحزبي وعلى يمين يمينه او يسار يساره رئيس البلدية “66


لم تخلُ الرواية من روائح لأرواح اجتماعية اجتاحتها حالات وظروف ورؤى مختلفة عبر أعصرها ،فنتحسس في روائح المدينة عادات وتقاليد وطبائع اجتماعية شتى ،فأما من العادات فقد”كان أجدادنا الصالحون من فرط شغفهم بالذهب يعدون مايملكه المرء منه خاصا به حتى يقال غن طائفة منهم كانت غذا مات عزيز عليهم دفنوا معه ذهبه”67.

وصمدت العادات في وجه أعداء التراث والأصالة حيث”عندما أمسكت دولة الاستقلال والسيادة بتلابيب العباد وأعلن أربابها حربهم المشهورة على الفقر والتخلف والتأخر والجهل والتقاليد والعادات والأوهام والخرافات في خطب نارية أحرقوا بها الأخضر واليابس”68.

كان هناك من يحافظ على هذه التقاليد والعادات ولايصدق بأنها خرافات كما ادعى المدعون ،ومن تلك العادات الأصيلة في تلك المدينة أنه:

“ما إن يستيقظ المرء حتى يشرب على الريق كأسا من الزيت وما إن يخرج المولود من بطن أمه ويرفع صوته بالصراخ حتى تغمص القابلة سبابتها في إناء به زيت تحلقه به بالزيت يضمخون الشعور ويدهنون الجلود ، إذا آلمتهم آذانهم قطروا فيها زيتا مدفّى إذا أصابتهم الحمى دهنوا أجسادهم بالزيت”69


أهواء المدينة / ريحُ الأنسنة:


إنّ للمدينة أهواء وأحاسيسَ وأرواحا وروائح أيضا ، كما لأهلها وساكنيها ن ومنهم الراوي ومن حوله ن لذلك آثرت التوقف هنا لأتحسس مجموعة الأهواء والعواطف في تناقضاتها وتشابكها في الأرواح/الروائح التي بين صدور المدينة”الحسينية” العجيبة ، أما عن أهواء الراوي فكانت مزيجا غريبا حدّ التناقض ومنها قوله :

“أنا لاأتحدث عن هذه الروائح الخبيثة التي لم يخطر ببالي أنني متحدث عنها يوما يصيبني من تذكرها غضب وحقد ونقمة وخزي وعار فحديثي عن مدينتي يتجه أول مايتجه إلى الروائح الزكية الذكية الفواحة” 70 .

كما تراوحت الأهواء بين مقدس ومدنس ، ومن ذلك ماظهر منها تجاه الجامع بعد هدمه حيث” امتلات قلوب كثيرة بالسخط.


والندم والخوف والرهبة والتوجس والهلوسة والارتياب”71.

وما أغرب أن تجتمع أضداد الأهواء في موقف واحد وهو وجود الماخور بهذه المدينة حيث “لم يمض زمن طويل حتى أصبح أهل مدينتي سعداء بماخورهم أصبحوا يقولون في المنافرات الكثيرة التي كانت تحصل بينهم وبين جيرانهم سكان القرى القريبة يوم السوق الأسبوعية:

هل في قرية من قراكم التافهة ماخور مثلما في مدينتنا التي تكرهون ماخور”72.

وما أغرب الأهواء والعواطف في تدفقها بين حواف الأديان وحدودها الزئبقية الواهمة ، خاصة عندما تعشق الأرواحُ العابرة للديانات ، “قال المؤرخ الحزين وكان يرمى بتعشق حسناء من حسانهم كانت تدعى وداد أضرمت في قلبه نارا وسافرت فظل يجهد عمره لإخماد ذياك الحريق:يذوب الجلمود ولايصفى اليهود”73.

كما تنقل إلينا الرواية أهواء اليهودي تجاه المسلم في تعايش دافئ ، حين “يبكر يهودنا يوم الأربعاء مبتسمين ضاحكين مستبشرين يلقون بالتحية على كل مار يفركون كفا بكف يفتحون حوانيتهم الصغيرة الضيقة بمدخل حاراتهم”74


تحسّسْنا في الرواية عوالمَ وأسرارَ المرأة والأهواء الموقوتة الخرساء ، حيث” تتعلم البنت من بناتنا أول ماتتعلم كيف تروض النفس لتقهر الرجال وتشد على أعنتهم تعودها أمها أو أختها أو خالتها أو عمتها أو جدتها على كتمان ماتحب وإظهار الرغبة الشديدة في مالاتحب وتشتهي تتعلم ضبط النفس والتحكم فيها”75 .

ومن أهواء المجتمع التي لايسكتها أحد حين “استبد الغضب بالناس أصبحوا يصحون على النقمة وينامون عليها يلقى الواحد منهم صاحبه أو جاره فيبادره بالتأوه ويقولك أكلتني الأوجاع لم تبق فيّ شيئا أشعر أني سأنفجر”76.

ولا اجمل من أهواء الطفولة ففي المدينة ” روائح أحبتها طفولتنا عندما كان بعضنا يعتلي أكتاف بعض نتعلق بقضبان الطاقة الصغيرة …لبريء التندر والضحك في الأكمام”77 .

وليس أغرب من الحبّ مع الآخر بروائح دينية” ماإن قال الإمام يجب على المؤمن إن يحب لغيره مايحب لنفسه حتى نهض أحد المصلين.

نظر حواليه أشار بيده إلى الإمام وقال:هذا غلط ياسيد إذا أحببنا لغيرنا ما نحب لأنفسنا وأحب لنا غيرنا مايحب لنفسه كما تقول فعلى من ندعو؟ تبسم الإمام وقال:

تدعون على إبليس اللعين”78 .

كما يمكن للكره بين الأنا والآخر أن يتجلى أيضا “عندما يشرع في الدعاء تقذف الشفاه بدعواتها وأمانيها يدعو أهل مدينتي على أعدائهم وخصومهم على الدولة وعلى جيرانهم سكان القرى القريبة وعلى الذين يكرهونهم”79


ولروائح المدينة أهواء أو عندما تتأنسن المدينة بكل مكوناتها وفضاءاتها وروائحها وأرواحها”لمدينتي هذه التي يحسدنا عليها جميع الأجوار يستكثرون اسم المدينة فيها ويزعمون أنها قرية مثل القرى التي يسكنون روائح آية في الغرابة والعجب.

روائح تنبعث وتعبق وتتضوع وتزكو وتنتشر وتتأرجح وتسرح وتخطر وتسطع وتفوح وتعرج وتعجّ وتتأجج وتتوهج وتمرح وتتهادى وتفعم من وفي وعلى أرضها وفضائها والسماء مرحةً أسيانة غضوبا قطوبا لعوبا طروبا مندفعة محتدمة متأودة مكسالا عبوسا مغناجا ضحوكا متمردة ثائرة جذلى متعجرفة معربدة مزغردة نشوى في الصباحات والأصائل والعشايا”80 ،

أما الليل في مدينتي هذه التي أورت صدور جميع الأجوار فلطائم من المسك والفل والورد والقرنفل والنرجس والبنفسج والزعفران والبهار والعود والند والعنبر والعرار والسوسن والزنبق واللآس ومن أشياء أخرى زكية ذكية مذهلة شهية مدوخة يقسم أهلها بأغلظ الأيمان أنها أكبر من الكلام”81


خاتمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة :


يجدر بنا ونحن نغادر “المدينة الحسينية” بروائحها وأرواحها وعوالمها أن نتوقف بالرصد مع سبق الإصرار القرائي عند نقاط ذوات أهمية بالغة منها :


1– تحالفت النصوص الموازية جميعها على القارئ ليفتك انتماءه القرائي وانتسابه التأويلي وحالته المدنية لهذه المدينة.

انطلاقا من العنوان فصورة الغلاف ذات الألوان المتداخلة الدافئة الباردة ، وهي لرسام من ري ودي جانيرو البرازيلية تجعلك تبحث عن علاقتها بمدينة حسين الواد التونسية، ليصدّك الإهداء المربك المستفز الطارد الجذّاب.

فالمقدّمة الغيرية ذات الطابع المقامي لصلاح الدين الشريف، الذي قدّم لنصّ بنص وتيها بتيه ومعجما قديما بمعجم أقدم معتّق، ولاندري أيحسب ذلك له أم عليه؟


2– كان معجم حسين الواد في هذه الرواية معتقا من لغة موغلة في القدم والتشفير فلغة لمّاحة رامزة مقنّعة تومئ وضوحا لشدة غموضها ن وقد يكون ذلك انعكاسا لتوغل الروائي في عوالم الأدب العربي القديم وهو السائح نقديا بين أعلام الأدب العربي القديم من أمثال المعري والمتنبي وبشار وأبي تمام.


3– كتبت الرواية بحسّ مقامي واضح ، بأنفاسها الساخرة ، ومعمارها المسجوع ،ومقابلاتها المتراصفة ، وأوصافها الدقيقة ، وأضدادها العميقة ، ولغتها الرشيقة ، وهو ما يشفع لمقدّمها صلاح الدين الشريف في مقدمته المقامية المشفرة المبشرة بنص روائي مكثف.


4– تجلى أثر الأعلام القدامى ومصنفاتهم في رواية”روائح المدينة” كثيرا ، بخطاب مواز مبين ، ومن ذلك تلك الحواشي التي سيّجت المتن ن وكان فيها الروائي شارحا ومستطردا وموضحا ، او حينما يضيق المتن بالمقولات ربما ، أو يعدل الروائي بين المتون والحواشي ليسند بعضها إلى بعض.


5-بدا حسين الواد في سرده وصّافا ، وفي طرحه عرّافا ، إلى درجة أن ينسيك الوصفُ التفاصيلَ في بعض منعرجات النّص الروائي الطويل ، فتشعر أن للروائح كما الأرواح حق في قاموسنا الوصفي المبدع.


6– طغت على مجريات الرواية الصبغة الدينية ، أماكنَ وشخصيات/ذوات ، وأفعال مختلفة ، انطلاقا من الجوامع التي كانت مراكزَ إشعاع فابتداع وتطرف في المدينة الحسينية ، فمرورا بالمقدسات الأخرى والمدنسات أيضا ، فالحوار بين الأديان والتعايش بين الطوائف بتلك المدينة خاصة بين اليهود والمسلمين.


7– بدا الاعتزاز بالمدينة واضحا واعيا عارفا أصيلا حالما مستشرفا ناقدا متقبِّلا بنّاءً في عز الانتقاد والسخرية.


8- تعد رواية روائح المدينة سيرة ذاتية للمدينة ، عبر حقبات مختلفة ، من قبل الاحتلال “الناعم” للعثمانيين وعهدهم ، فعهد الاستعمار والحماية فعهد الاستقلال والسيادة إلى عصرنا هذا ، ومن النادر أن نجد رواية تحتفي بالسيرة الذاتية التاريخية “المدنية” لمدينة ما.

فلقد ألفنا المدنَ في الأدب العربي فضاءات وأمكنةَ ومسارح للأحداث ن ولكن حسين الواد جعل المدينة بطلا ، فأنسنها واحتفى بسيرتها الذاتية عبر الأعصر والأرواح والروائح.


9– جعلنا حسين الواد ندخل مدينته فنتشمم روائحها ونتلبس أرواحها مقنّعين لا تكلمنا إلا رمزا ، فصارت الرواية في بنياتها ومقولاتها أشّارة بالتقويل أمّارةً بالتأويل ، فلانكاد نعلم لم التقنّع والتمنّع؟


10– تنوعت أفضية المدينة الحسينية بين منفتحة ومنغلقة ن وبين مرغوبة ومرهوبة ، وبين مقدسة ومدنسة ، وبين ثابتة ومتحولة ن وبين واقعية ومتخيلة وعجائبية أحيانا أخرى ، وفي هذا التنوع حراك سردي وقرائي وتأويلي ودلالي رهيب.


11– على قدر أهل وسكان وروائح وأرواح المدينة الحسينية الواقعية المتخيلة العجائبية التراثية المستقبلية الحالمة على قدر كل هذا فإن الحس الواقعي النقدي يتلبس الرواية.

فلا نشك للحظة واحدة في أن حسين الواد يتحدث عن واقعنا المدني المعيش بنقد عميق رشيق طليق ، في مغامرة واقعية نقدية بحلل لغوية وسردية تشعرك بواقع.


12– نختتم هذه الملاحظات بسؤال بريء جريء: أليست المدينةُ الوطنَ والجوامعُ المذاهبَ الدينيةَ والأسواقُ التجارةَ والاقتصاد؟ أليست المدينة التي حدثنا عنهاها حسين الواد هي مدينتنا جميعا وتصلح لنسخها ومقارنتها بكل المدن/البلدان العربية براهنها وتفاصيلها ورهاناتها؟


لقراءة المزيد من التحليلات الروائية, اضغط على الرابط:

https://art-analyse.com/wp-admin/post.php?post=457&action=edit

بقلم الاستاذ علاوة كوسة.

3 تعليقات

  • يقول cheap viagra:

    I intended to create you a little note just to give thanks as before for the extraordinary ideas you’ve discussed at this time. It has been certainly incredibly generous with you to grant publicly just what many of us might have offered for an ebook to generate some dough for themselves, mostly now that you might have tried it in case you desired. These secrets as well served to be a good way to fully grasp that other people online have the identical fervor much like my personal own to know the truth more regarding this matter. I am sure there are numerous more pleasant periods in the future for many who read your site.

  • يقول viagra cost:

    Needed to write you this very small word to help thank you very much yet again with your wonderful views you have shown on this website. This is so wonderfully open-handed with you to supply without restraint what exactly some people would have supplied for an electronic book to make some profit on their own, specifically since you could possibly have done it if you ever decided. These ideas also served like the fantastic way to comprehend other individuals have similar eagerness like my own to know good deal more on the subject of this issue. I’m sure there are many more fun occasions in the future for individuals who look into your blog post.

  • يقول propecia prices:

    Thanks for your whole work on this website. My mum takes pleasure in working on research and it is simple to grasp why. We notice all relating to the powerful ways you render very useful tips and tricks via your website and therefore strongly encourage response from website visitors on this theme while our own simple princess is without a doubt understanding so much. Take pleasure in the rest of the year. Your performing a very good job.

أترك تعليق