رواية سكوت العارفة إيزابيل تتحدث.


فناء في رواية (سكوت…العارفة إيزابيل تتحدث) للقطب عبد القادر عميش*. (هل ستسكتون فعلا وقد أراد ذلك مَن منحنا(قناديل الظلام)لنخرج من (دائرة المخدوعين) في هذا (الزّمن الصعب)؟؟ فقط لنصغي إلى سيدته العارفة(إيزابيل)!!


“سوف أنتظرك ياعزيزي وقرةَ عيني..سوف أعتلي كثيبَ رمل قريبا من الزاوية الزيانية حيث ضريح سيدي وقطبي ابن أبي زيان مسافة كذا وكذا..ولن يرفّ لي جفنٌ حتى أراك” إيزابيل إبرهارت:


“إيزابيل دوما تسكنني وأسكنها ، فقط أنا أنتظر متى يمنّ الله عليّ وقد يطوي لي الأرض في أية لحظة وفي أيّ حين” عبد القادر عميش.


!”سكوت..
سَكتنا وأنصتنا، فسمعنا وعصينا..
غفرانَك” إيزا “..وإليك المتاه” .علّا..وة كوسة


لايُستحسن سكوتُ العشاق إلا في حضرتها..ولاتشدّ رحالُ المريدين إلا إلى مقامها النوراني المهيب ، ولاتُؤخذ الزينةُ إلا عند شرفتها الناهد (بثوب أحمرَ قانٍ فانٍ يدّخر أسرار جدران القنادسة الحمراء) تحرسها أرواحُ الأسياد و الأوتاد والعلماء ،لتستوي الأقطابُ في حضرتها وخضرتها ، فيحمل عرشَ “إيزابيل” يومئذ سبعةٌ تفرّق عشقهم بين الرّمال والواحات.

وتتلبّسها(حينا من الصّبر) روحهُا المريمية في الأرض ؛ وقد جاءتها – مهاجرةً مكابرةً – من آخر التيه مقاماتٍ راقصة على أنغام(علّا )العرفانية، مردّدة:

” فقط اصدق اللهَ ترَ العجب”.


لايُستحسن السكوتُ- أبدا- إذْ تتنازعك رؤى (سيّدِك ) مريدا ، وتتجاذبك شراراتُ(قطبِك) سلبا وإيجابا ،متجمدا منصهرا وقد حللتما جنةً خالدةً ؛ لا مكان فيها إلا للأصفياء المتّقين شرَّ من بادلوهم المحبة الزّلال.. وتبلّلك ابتهالاتُ(غوثِك) دمعا وعرقا ..فتقف على أطلال أبي مدين التلمساني تقاسمه جرحَه “الفِراسي” العميق ، وتؤانس وحشتَه “الزيدونية” الصمّاء مرددا معه:


“طال اشتياقي ولاخلّ يؤانسني…ولاالزمان بما أهوى يوافيني..”
لايُستحسن السكوتُ وأنت المريد المحلّق إليها “سيزيفيَّ ” الأمل ، مدّثّرا
بقصيدة”أوفيليا” الدافئة ذات رعشة روحية وخلوة ربانية لاتتكرر إلا مرةالدهر.

ومصغيا لنائحة التيتانيك ( سيلين ديون) وهي تهيئ العاشقَ المشتاق فيك للقاء سيدةِ القلب والروح معا السيدةِ”إيزا” ؛ التي دنت فتدلّت فكشفت وانكشفت فتجلت في حضرة الأقطاب بما أوتيتما –يومئذٍ- من سكرة الوجد الذي لا خمرَ ندَّه ولا أمر..حتى تُستوفى أسرارُ” الحضرة الربانية” العظمى..


لايُستحسن السكوتُ في شهر”فيفري” ؛ ذلك الشهرُ الصحراويّ الذي “يشبه الوشمَ المقيت..أليس هو شهر جرحك الذي لايندمل أبدا”.

وقد ارتوت الصحراءُ بدماء الجزائريين الأُسُودِ الذين صيّرتهم أيادي المستعمر الغاشم فئرانَ تجاربَ نوويةٍ وحشية..(وحاشاها الرمال من أن تستلذ دماءَ أبنائها) ..لولا أنها جعلت منها”كتابات على الرمال” خالدةً شاهدة كاظمة غيظها غير عافية عن المجرمين.


لايُستحسن السكوتُ وقد جُمعت الأرواحُ ليوم معلوم ؛ حلقت فيه قلوبُ العشاق وشخصت أبصارُهم حائمين وحائمات حول ” دار إيزا”..تحفّهم أنغام(علّا..) البشاري الحزينةُ الموغلة في الحنين والكبرياء..هنالك حيث جاءتك”سيدتك إيزا” في منامك تهفو على استحياء ، فانبعث من عينيها بريقٌ”سوفي “مكين.

وانفرط عقدُ أشواقها معترفةً:”سوف أنتظرك ياعزيزي وقرةَ عيني..سوف أعتلي كثيبَ رمل قريبا من الزاوية الزيانية حيث ضريح سيدي وقطبي ابن أبي زيان مسافة كذا وكذا..ولن يرفّ لي جفنٌ حتى أراك”..فهل بعد هذا الاعتراف يُستحسن السكوت ياسيدي (عبد القادر) ؟؟


لايُستحسن السكوت حين يبلغ مقامَ شوقك هاتفٌ في سَحر العمر ؛ يستدرجك إلى حضرتها، فتشدّ الرحال إليها، ويبتلع خطواتِك” الطريقُ إلى القنادسة”..فتدركها ولو بعد مكابدة..لتنعم بسحر طينها وبحمرة جدرانها فتستكين إلى حيرتها الأبدية الخرساء أيها الساكت عن الحُب إلا رمزا..حتى تدرك المحبوبَ؛ تستعيد (أميرة الرمل).

وقد جئت القنادسةَ من آخر العمر تسعى ، مقتفيا عطر” السيدة إيزا” الباريسيَّ بين الكثبان ،متأبطا موسيقى (علّا) البشاري ؛ الذي موسق أشواقنا الغامضة في غفلة منا ، وتركنا في أنوار تائهين بين تلك الأقصر الرملية المكابرة ، نَضِرين ناظرين من شرفاتها ..تلتحف شفاهُنا صمتا فضّيا طويلا، وتواري أجسادَناالنورانيّةَ المتعبةَ حللٌ حمراءُ ساحرٌ لونها.. تسرّ الغائبين..


لايُستحسن السكوتُ حين تقابلك الأبوابُ الخشبية المسنّة المسنّنةٌ بوقار عجيب..وبجراحها القديمة التي استحالت تشققاتٍ عرجاءَ تاهت في استطالتها.. أَ وَ تسكتُ وقد أدركتَ أنّ لِذي الأبوابِ مفاتيحَ من خزائن الغيب؟؟

وأنه لايملك تلك الكلماتِ المفاتيحَ إلا عاشقٌ مريد مخلصٌ مثلك..؟؟ عاشق يَأمنه خشبُ الأبواب على حرمته ؛ فيمنحه الوسيلةَ والفضيلة والغاية الرفيعة ليصنع منه فُلكا للنجاة بالمريدين والأحباب ، لا أن يجعل منه حصانا طرواديا مخادعا يحتل به أرواحا شاعرة فلايغادرها إلا وهي شاغرة..


ولم يكن يُستحسن سكوتُك داخل الأقصر (وقد منحتك الأبوابُ المفاتيحَ) إذْ غنمت خزائنَها الموصدةَ وأسرارَها الممدّدة ، التي لايطّلع عليها إلا من سكن الأفئدة ؛ تلك الخزائن الأقصرية القندوسية الغافية في مساحات رمليةٍ (مُرمّلةً ) كقلوب المريدين مكابدين مرابطين غير مستسلمين ولامقصّرين.


لايُستحسن السكوتُ – إطلاقا—وقد أسريتَ بحلم لقاء” السيدة إيزا” ليلا ، من الـمَوْردِ المُوَرّدِ القديم إلى المقام الأقسى الأقصى ، حافيَ القدمين إلا من خفّي حَنين بشّاري لاذع..لتعرج بك الأشواق إلى سدرة السيدة؛ وقد تجلت ببرنوسها وعمامتها هنالك روحا لروح وقلبا لقلب ودمعا لدمع..وتنكشف الحجبُ وقد أتى عليكما خوفٌ من الدّهر لم تكونا فيه إلا مؤمنَين بأنكما ستلتقيان ولو بعد حين.

ترُاك استشرقتَ “إيزابيل” أم استغربتَ السيدة؟ أم التقيتَ الرومية السويسرية الروسية ؟ أم أدركتَ الصوفية؟ أم سكنتَ الأنثى الوحيدةَ على وجه الأرض التي تشتاق في كبرياء وتحب بالمنطق، ولكنّها( والعشق فصول) ظلت تردّد بحزن صحراويٍّ معتّقٍّ مقاطعَ نادرةً حادة جارحة ذبّاحةً للقديس”شارل بودلار” ؛ تواري بها سوءات الدهر، والعشاقِ المغضوب عليهم والضالين أيضا..


لايُستحسن السكوتُ في هذه الصحراء الفصيحة؛ وقد تمثّلت لك وحدَك روحُ سيدتك العلوية في الأرض بشرا سويا..مريمَ الرفيقةَ الأبدية واقعا وأحلاما..عاقلا ومجنونا.

مريمَ التي تعذرك في عشقك الصوفي (وماعَذرن قلبَك ولا قبَلَك من يعشق دونَهنّ ريبَ الغيرة فالجنون)..مريمَ التي تكلّم الرملُ في كفيها وقد رفعتهما بالدعاء لتشفى من محبوبتك بها، بلقائها، وخفضت جفنيها بالأدمع الجبرانية الخرساء شوقا جارفا لايسعه صدر الصحراء الجبريلي ،

( وللرّمل آيات بينات لمن أحسن الإصغاء لوكانوا يعقلون)..مريمَ التي رأتك تستوحش كلَّ مكان تركتْ فيه الأقدارُ سيدتك “إيزا” بوادٍ سُوفي غير ذي أنس..فتؤانس المتيّمةُ قطبَها الرباني؛ لتمتلئ بكراماته فتملأ وحشةَ الصحراء حُبا لايعلمه إلا المدلجون..وتُؤنسن الميتّمةُ جماداتِ الصحراء وأشياءَها الظاهرةالطّاهرة ، والمرّة المضمرة.

حين تشيأت أرواحُ من عبروا الصحراءَ مغمضي الحسّ أم إن على القلوب أقفالها؟؟ فكتمت الرمالُ أسرارَها (ومن عادة الصحراء ألّا تكتم سر عاشق عابر) ، ولكنها محت آثارَهم (وليس من عادة الكثبان أن تحفظ الخطايا) فلا يُغرّنّ بتدوين الذكريات على الرمال أحد..


لايُستحسن السكوتُ؛ وقد سمعتَ صرخاتٍ غريبةً تفوح بها”كتاباتٌ على الرمال”..ويَحسُن بك- إذْ ذاك- أن تخفّف عنها وطأَ الفقد وقد ثَقُل أديمُ الأرض بقدميها الحافيتين ، وضاقت الصحراءُ بما رأت.. وظللْتَ والسيدة تتبادلان الأدمعَ و تتجاذبان أطرافَ الحنين.

ذحينَ حدّثتك عن حبّها للبسطاء والمعدومين فتدرك جنونها النيروني حين أحرقت صحائفَ كبرياء مقيتٍ ونزلت من برجها الماسيِّ؛ لتقاسم الموتى برزخَهم فتنام بين القبور مرارا ، إذْ ظنّ بها الناس جنونا و طيشا وشعوذة ولم تكُ يوما نفاثة في العقد..وقد أخبرتك بأنها تحتمي بقبورهم من سطوة الغرور بالنفس..


هل كنتَ ستسكت وقد اكتملت الحلقةُ وتمّ مقامُ التجلي في الحضرة الربانية..و تجلى واقترب الأقطابُ بفندق”عنتر” ، واجتمعوا على شاي بشاريٍّ منعنع ، لتجد روحَك بين العلماء والأقطاب والأسياد والأوتاد كالأيتام في مأدبة الكرام، من طينة سيدي محمد بن أبي زيان القندوسي وسيدي أبي مدين والشيخ الرقاني والشيخ التازي واليعقوبي ومن تبعهم بمحبة إلهية من أهل الحضرة الأولين الخلصاء.

تتوسطهم السيدةُ “إيزا” عن يسارك ؛ جهةِ قلبك الذي أسكنها بوريد ذي حبٍّ لاينضب..فغنّت لك ولهم “لفظَ الجلالة” بكل لغات الكون..وفنيتم جميعا حيث لاينبغي لي أن أعرف ولكن لايُستحسن أن أسكت يا”سيدي عبد القادر”..


سأَسكت الآن فقط..ويُستحسن أن أسكت ؛ وقد رأيتك والسيدةَ إيزا تتقاسمان بقدميك الحافيتين وقدميها النورانيتين شارعا شاعرا يُحسن خلقَ الصور بما يتسق ومقام عشقكما لحظة الوداع..


سأسكت وأتّأملكما تتناقصان (كالفرح بعيدا عن المحبوب)..تكادان تغيبان عن ناظري في شارع بشاريٍّ كاظمٍ لأسرار حبيبين التقيا بعد دهر غياب.

إني أراها بشرا سويا وقد استحالت ضياءً صوفيا ، فهالةَ دخانٍ أبيضَ فنقطةً تختفي آخر الشارع..لتعود حافَي القدمين داميَ القلب ممتلئَ الروح إلى الفندق بخفّي حَنين بشاري لاذع..(كما الحنين السّوفي المميت ذاتَ عام حزن) هنالك تجرّب اليتمَ لأوّل مرة فتنطق بالشهادة الشعرية الأصلية ذاتِ عام تجلت فيه الأفراح والأحزان سواء:


“أأميرة هذاالرمل
هانبض النبض الآن إليك يئن
فخذي سحر حلال النبض
وشموخ النخل
وشذى الصحراء وعطر التل
ياامرأة من نار
ياامراة من وهج الرمل”


..سأسكت حين تدخل غرفتَك بفندق “عنتر” وموسيقى (علّا) تعطّر الأرجاءَ فتعثر على حبات الرمل التي تساقطت من برنوس” السيدةإيزابيل” وقد بدت دررا؛ لتدّخرها ذكرياتٍ إذْ دسسْتها في منديلك الورديِّ الدامع.. وكذلك الأوفياء يفعلون..


سأسكت لأنني تعلمت منك يا”سيدي عبد القادر” عميش ،أنه” إذا سألك حبيبي عنّي ، فإني قريبٌ أجيب دعوتَه إذا دعاني ؛ فليستجب لي وليؤمن بحبي له لعلنا نلتقي لقاءنا الأبدي المنشود).

وسأسكت حين أعلم بأنّك استجبت دعاءَها ، فبنيت لها عندك(دارا) في جناتك الشلفاوية الممتدة ، وقد جرت من تحتها أنهار عشقك الخالد ، فسميتها(دار إيزابيل) لتكون مزارا لعشاقها ومريديها ولو بعد حين . أولئك الغرباء ، وطوبى عِشقَئذٍ للغرباء.


*عبد القادر عميش : أديب برتبة عارف ، وباحث أكاديمي برتبة أستاذ التعليم العالي بالجامعة الجزائرية، صدر له عديد المؤلفات الأكاديمية والإبداعية منها:


-الخطاب بين فعل التثبيت وآليات القراءة.(نقد)
-قصة الطفل في الجزائر.(نقد)
شعرية الخطاب السردي.سردية الخبر.(نقد)
-قناديل الظلام(قصص)
-دائرة المخدوعين(قصص)
-الزمن الصعب(رواية)
– سكوت …العارفة إيزابيل تتحدث(رواية)..

لقراءة المزيد من التحليلات الروائية:

https://art-analyse.com/category/%d9%83%d8%aa%d8%a8-%d9%88%d9%85%d8%a4%d9%84%d8%ba%d9%8a%d9%86/%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%a7%d8%aa/

بقلم الاستاذ: علاوة كوسة.

2 تعليقان

  • يقول doxepin cheap:

    I simply wanted to thank you so much once more. I am not sure the things that I would’ve sorted out without the type of strategies revealed by you over that situation. It truly was an absolute horrifying matter in my opinion, however , spending time with the very specialised style you resolved that made me to leap over gladness. I will be happy for this service and then pray you realize what a great job you happen to be providing teaching people today using your web site. Most likely you have never got to know any of us.

  • يقول riser 008:

    Thanks for your whole work on this website. My niece takes pleasure in working on research and it is simple to grasp why. We all notice all relating to the powerful ways you render worthwhile tricks via your website and therefore welcome response from website visitors on this topic while our own simple princess is without question understanding so much. Take pleasure in the rest of the year. Your performing a wonderful job.

أترك تعليق