قراءة في رواية توجان لآمنة الرميلي.



تعدّ الرواية العربية المعاصرة من أكثر الأجناس الأدبية اشتغالا على المرجع بمختلف مستوياته ، وعلى الرمز بتنوع دلالاته وإشاراته ، ومن أبرز هذه الروايات رواية”توجان” لآمنة الرميلي ، ذات ُ الحضور الغنيّ للمرجع والرمز.

وبمقاربة نوعية واعية ، واستحضار فلسفي مميز ، حيث انفتحت على المقولات الحاضرة والغائبة للذوات الإنسانية بكل أطيافها المرجعية ومكوناتها الداخلية والخارجية، في مختلف سياقاتها المتضاربة ، وأنساقها المتشظية ؛ ماضمر منها وما ظهر في عوالم الرواية، تلك العوالم التي تلبّستها المدينة ُ بوصفها فضاءً يسع الذوات والمرجعيات والأنساق معا.

الفلسفة في رواية توجان:


تحاول أن تتوقف بالقراءة والتأويل عند المكونات الفلسفية للمدينة ؛ حيث فلسفةُ الحياة والموت، وهوس الفناء و البقاء ، ووهم الحرية و الجبرية ، وماهية الأنا وحوارها مع الآخر ، وصراع الخير والشر، فأسئلة الوجود والعدم ، ورهبة الغربة والاغتراب ، فالنزوع إلى التمرد والثأر فالثورة الإنسانية العميقة.

دون أن تغفل حضورَ المرأة وسؤالها الوجودي الرهيب الأبدي عن خصوصية الأنا الأنثوي في ظل بعض النواميس الذكورية الصمّاء.


كما تستعرض المرجعيةَ الثقافية والحضاريةَ للمدينة ورمزيتها ،و الحضورَ الرمزيَّ للثقافة المحلية (التوجانية) والتونسية عموما ؛ بوصفها مكونا ثقافيا عربيا وإنسانيا يحقق ذلك الاختلافَ المنتِجَ للتمايز المحفّزِ على إعادة قراءة الأنا الثقافي.

بعمق ووعي في ظل الحوار الثقافي والحضاريّ الكونيّ الرهيب المريب، مستعرضا في ذلك نسقَ العرشِ الثقافيَّ والمكوناتِ الإثنيةَ التوجانيةَ بتفاصيلها الثقافية المادية وغير المادية ، رابطا إياها بالمرجعية الحضارية للمدينة التونسية منها(توجان) أو الغربية التي وردت في الرواية عَرضاً، متحدّثا عن التشكيل العمرانيِّ للمدينة و عن علاقتِه بالتشكيل النفسيّ والروحي للذوات التي تسكنه.

رواية توجان وصراع الماء والعشق عند البربر:

وعن كثير من الأهواء التي تتنازع الذاتَ بين مختلف تلك التشكيلات العمرانية المتمايزة ، خاصة ماتعلق منها بالحضارات “المائية” والتي قامت على نبع الماء ، وظلت صراعاتُها أبدية قائمة عليه ؛

حيث إن مدينة (توجان) قامت واقعيا وأسطوريا على الماء الذي ظل مكمنَ الحياة والموت والحب والصراع والانتقام والخلود والفناء في توجان ؛ تلكم المدينة التي تأسطرت فيها الحكاياتُ والأهواء والعشاق ، وظلت تكتم أسرارَها حينا من الدهر ، إلى أن استحضرت الأسرارَ روايةُ(توجان) لآمنة الرميلي ، بحس قرائي عميق ، وباحتواءٍ فنيّ لطيف وبتأويلٍ مكاني مغاير للمدينة ولمن جاء ساعيا إليها ينشد الماءَ والحياة والحب.

لقراءة المزيد, اضغط على الرابط:

https://aljadeedmagazine.com/


نقد رواية توجان:


– إنّ هناك تشكيلا مرجعيا ورمزيا عميقا ، متناغما مع محمولات النص الظاهرة ومع أنساقِه المضمرة التي أحاطت ببنيات النص ومقولاتِه بأسلوب سلسٍ عارف.


– كان خطابُ المدينة بليغا بما اكتنزته فضاءاتُها من مرجعيات رامزة ورموز ممرجَعة ، متنوعةٍ بين المرجعية الثقافية، الفلسفية، فالأسطورية.


– نتحسس في رواية “توجان” الحضورَ الرمزيَّ للثقافة المحلية (التوجانية) والتونسية عموما ؛ بوصفها مكونا ثقافيا عربيا وإنسانيا يحقق ذلك الاختلافَ، والإبداع كالثقافات المادية واللامادية، القديمة والحديثة.


– انبنت رواية توجان على المرجع الأسطوري الخرافي من حيث استحضار السياقات الأسطورية للماء والجبل والعلاقات الغيبية بين الإنسان ومايحيطه من كائنات وموجودات ،وتم صهر تلك السياقات بأحداث الرواية لتتمظهر نسقيا بوعي وحدّة.


– لمْ تكلم الروايةُ القارئَ إلا رمزا وإشاراتٍ بعيدةً لايبلغها إلا الراسخون في فكّ مغاليق النصوص والعلامات الدالة التي تتنازعها أطراف الحكي في كيد سردي بالغ ، ومن ذلك رمزية الماء فالجسد والأهواء فالوطن فالتراث.


– إذا كان الروائي “حسين الواد” أحدَ أمهر الروائيين العرب في مقاربة “روائح المدينة” روائيا ، من حيث مرجعياتُها ومستوياتها ومقولاتها ، فإن الروائية “آمنة الرميلي” تعدّ من أمهر الروائيين الذين قاربوا” أهواءَ المدينة” بفلسفةِ عارفٍ ، وعمقِ فيلسوف، وحساسيةِ مبدعٍ شاعر، فراحت تترصد الأهواءَ الإنسانية في تفاعلاتها المكانية/المدنية ، وتتبع جسورَ الدلالات القائمة بينها، وحلقاتِ التآويل الحائمة حولها.

وقد فعلت فاستحضرت الأهواءَ بروائحها وألوانها وأصواتها وحساسياتها ، ودخلت بها مدينة “توجان” من أبواب سردية متفرقة لحاجة في فلسفتها القرائية للمدينة كفضاء وكحياة وكوثيقة تاريخية ثمينة .

لقراءة المزيد من التحليلات الروائية:

https://art-analyse.com/category/%d9%83%d8%aa%d8%a8-%d9%88%d9%85%d8%a4%d9%84%d8%ba%d9%8a%d9%86/%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%a7%d8%aa/

بقلم الاستاذ علاوة كوسة

0 تعليقات

    أترك تعليق