العجائبي والغرائبي في الرواية السورية ج1.


د. أسماء غريب
“وصلني الفصل الأوَّل والثّاني من الدِّراسة النقدية التّحليلية التي تقوم بها الأديبة والنّاقدة والمترجمة المغربية المبدعة د. أسماء غريب، وأدهشتني برؤاها وتحاليلها وغوصها العميق في أعماق أعماق كتاباتي، وحقيقة استطاعت هذه المبدعة أن تعرِّفني على نفسي أكثر ممّا كنتُ أنا نفسي أعرف نفسي!

وكل هذا اكتشفتْهُ عبر حرفي الّذي كتبته على مدى 30 عاماً من اغترابي في ربوع السويد!
خالص التحية والتقدير للمبدعة الشَّاهقة د. أسماء غريب لكلِّ كلمة قالتها بحقِّي عبر دراستها الشّاملة عن إبداعي.


وفيما يلي الفصل الأوّل من دراستها النّقديّة.”. [ص . ي.].

بناء الذّات وجدليّة الغرائبي والعجائبيّ في تجربة صبري يوسف الإبداعيّة ج1


ثُقبٌ أسود

لأنّني ابنةُ أطلانتيد وَشَمَ المحيطُ فوقَ جِلدي حكاياتِ الحضَاراتِ البائدة، وكحّلَ عينيَّ بأساطيرِ الرحّالةِ المُسْتكشفينَ، والقَراصنة المُغامرينَ الغارقَةِ أساطيلُهُم في الأعماقِ السّاحرة، وكَتَبَ بمدادِ النّارِ فوقَ جَبيني قصصَ النّجوم والأقمارِ ساكباً في بئرِ روحِي لبنَ الأفلاك والمجرّات.

وهوَ يعرفُ جيّداً أنّني تلكَ الغادةُ الّتي حينما أكلتْ عُشبةَ الأبجديّة واللّغاتِ باتتْ لا تتردّدُ ولا تُحْجِمُ عن السّفرِ بين الكواكبِ، تسألُ الفكرَ الكونيّ ألفَ سؤال وسؤال.

وتحْفرُ بإزميلِ العطش المعرفيّ نقطةَ الحرفِ لتُصبحُ بهَا ملكةً مُتوَّجةً لا تحملُ في يدِهَا صولجانَ حُكمٍ أو أمرٍ ونهيٍ وإنّما أفعى كبيرةً هي سوطٌ تجلدُ به كلّ خمولٍ أو سكون، وهي أيضاً مفتاحٌ تفتحُ بهِ بابَ النّور على مصراعيه بحثاً عن ذاك القلقِ الكامن وراء الأبجديّة.

وخلف غيوم الوعيِ الماطرة بدون توقف في سماواتِ القلبِ، لتجدَ نفسَها في الختام واقفةً أمامَ باب الإصغاء للرّوح وقد قفزتْ على كلّ مراحل الهدنة والمراوغات المخاتلة.

أوِ المراحل التي كانت تقرأ فيها الحرفَ وتستمعُ إليه باحثةً بين الأدغال والأحراش عن تلك الخيوط السرّيّة التي حيكَتْ بها الكلمات الأولى والفكر الأوّل، واللّغاتُ الأولى والرّمز الأوّل!

هكذا كنتُ، وهكذا علّمّني أن أفعلَ محيطُ أطلانتيد التي رأيتُ فيها النّور إلى أنْ أتى ذاك اليومُ الّذي كتبتُ فيه مع مطلع العام الجديد (2020) نصّاً شعرياً قصيراً أقول فيه:


((في مملكة الشّمسِ
وردةٌ حيِيّةٌ أنا
بتلاتي الصّغيرة
صُنِعتْ منْ شمعٍ أبيض برّاق
وأشواكي شُعَلٌ من لهبٍ أزرق
كلّما اقتربت منّي روحٌ


أضرمتُ النّار في ساقي وأوراقي
لأغدو بين عشية وضحاها
نسياً منسياً


هكذا أبني كلّ يومٍ صرحَ الفراغِ المهول:
شمعةٌ أنا، بل نجمةٌ قُطبيّة
بدون اسمٍ
ولا رسمٍ
يبتلعني ثقبٌ أسود كبير))


ومازلتُ لليومِ أتذكّرُ كيف أنّني بمجرّد ما انتهيتُ من صياغتهِ نشرتُهُ على صفحتي في الفيسبوك، وما إن مرّت على ذلك بضع دقائق حتّى وجدتُني أحذفه دون أن أعلم لذلك سبباً، وفي اليوم التالي نشرتُه مرّة أخرى، ثمَّ محوتُه في أقلّ من طرفة عيْنٍ، وأنا أصيحُ كأرخميدس:

أوريكا! وكنتُ أعني مثلهُ وجدتُها، أيْ أنّني أخيراً وبعد أزيد من أربع سنواتٍ حللتُ اللّغز الكامن وراء ظاهرة المحو والحذف التي كانت ترافق لحظاتي الفكريّة الإبداعية من الألف إلى الياء.

وطالتْ حتّى المنضمّين الفيسبوكيّين إلى صفحتي، لدرجة أنّني حذفتُ صفحتي نفسُها وأنشأتُ أخرى جديدة.

ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ بل تجذّرَ المحو والحذف في حياتي إلى أن وصلَ إلى إقدامي على رمْي عشرات بل مئات من الكتبِ التي كُنتُ أحتفظُ بها في خزانتي المنزليّة بما فيها الكُتبُ التي ألّفتُ في النّقد والشّعر والتّرجمة وما إليها، رميتُها كلّها في حاويات النّفايات!


نعم، لقدْ حللتُ اللّغزَ أخيراً، وأيقنتُ أنّني مقيمة حقّاً ومنذ معانقتي للحرفِ في ثُقبٍ أسود أجرِفُ بهِ كلّ شيءٍ وأرميه ورائي، ثمّ أحذفه تماماً من كلّ ذاكراتي الفرديّة والجمعيّة، البعيداتِ جدّاً والقريباتِ، والمقيماتِ في الزّمن الحاضر أيضاً.

ولقد كانت هذه القصيدة آخرَ ما نشرتُ وحذفتُ من صفحتي الفيسبوكيّة، وأوّلَ الضّوء الّذي قادني إلى قصيدة أخرى كتبتُها في العام الماضي (2019)، أتحدّثُ فيها عن الثّقب الأسود ذاتهِ وأقول:


((الدّمعُ يتدفّقُ الآن
وهذا النّورُ يجذبُني نحوَكَ
ثقباً أسودَ أراهُ
نفقاً مظلماً نحو الأعْلى
هناك في الظّلام نور لم يكتشفهُ بعد أحد
لا تفتحوا النوافذ


أسدلوا السّتائر
فالمعلّمُ قادم
قوموا وافتحوا له الأبواب
الدّمعُ يتدفّق حارّاً ومالحاً
بين شفتيّ
وهذا النّور الأسودُ
يرفعُني نحوكَ


عموداً أخضر مُعلّقاً
بين الزّهرة والمرّيخ
وأنت أيّها الرّاهبُ الجرّاح
سيفٌ برّاق
يذبحُ الأبصارَ


وأنا بين يديْك فوق سرير السرّ
جسداً تُعيدُ تكوينَه من جديد
لأولد شمساً تكونُ وتداً بين بحر وجبل)) .


نعم، لقدْ كانَ المُعلّمُ آنذاك في الطّريقِ حقّاً، لكنّني اليوم أصبحتُ والمعلّمَ شيئاً واحداً، لأنّني به تفتّقتْ فوق ظهري أجنحة كثيرة باتت تحثّني كلّ يومٍ على الكتابة أكثر فأكثر.

وتمنحني طاقة فيّاضة من الوعي والانفعال وتأمرُني بالتّحليق إلى قمم الجبال الشّاهقة علّني أستطيعُ أن أنقُلَ عوالمي إلى ذواتٍ وكائناتٍ مازالت مقمّطةً برداء السّرّ في عوالم الغيب.

نعم، أنا والمعلّمُ الكامنُ بداخلي شيءٌ واحد به أصبحتُ كائناً مُنفتحاً لا يسعهُ فضاء ولا محيط، لأنني خرجتُ عن الزّمن والمكان وعن الأبعاد كلّها.

ولأنّني نأيتُ بذاتي في الأعماق السّحيقة كما تفعلُ اللّؤلؤة المتوحّدة والمتكثّفة وقد استسلمتُ أخيراً وبوداعة متناهيةٍ للوعي الأعلى وأفسحتُ المجال للحقائق الكبرى لتنفتحَ بداخلي وتفعلَ بي فعلَ الإله الّذي يدفعُني كلّ يومٍ إلى الانعزال أكثر فأكثر عن كلّ ما يعوق حواراتي الدّاخليّة مع ذاتي.

ولعلّ هذا ما يبرّرُ كيف أنّني إلى وقتٍ قريبٍ رميتُ كلَّ شيء، ومازلتُ للآن أتذكّرُ اللّحظات والأيّام التي كنتُ أضع فيها كُتبي داخل الأكياس البلاستيكيّة وألقي بها الواحدة تلو الأخرى في الحاويات وقد مَثُلتْ أمامَ عقلي تجاربُ رميِ أو حرقِ الكُتبِ التي مرّ بها بعضُ الأدباء والمفكّرين والفلاسفة على مرّ العصور!


وكوني كنتُ ومازلتُ منشغلة بمهمّة المحو هذه وببناء الفراغ الدّاخليّ الخاصّ بي، فإنّ هذا لمْ يمنعني من الانتباه إلى تجربة الأديب صبري يوسف الإبداعيّة والتشكيلية.

وإلى منعطفاتها الجديدة سواء في مجال الرواية أو مجالات الحوار مع الذّات ومع الآخرين، وحتّى وإن كنتُ قد كتبتُ عنهُ في أكثر من مقام وكتابٍ سواء بحرف التحليل العرفاني الصّوفي أو بمنهاج النقد الأدبيّ الأكاديميّ، أو بحرف التّرجمة فإنّ ماجدّ في تجربته جعلني ألتفتُ إليه مرّة أخرى وأراقبه بعين التأمّل ولسان حالي يقول:

كيف فاتني أن أرى هذا الأمرَ وقد كان ماثلاً أمامي وبيْن يديّ صباح مساء؟ كيف والرّجلُ بصدد الدّخول إلى الثّقب الأسود الدّوّار الجارف الكبير! يا إلهي كيف فاتني أن ألاحظ أنّه أصبح كالفرجار منفتحاً إلى أقصى زاوية في البعد اللّانهائي الّذي لا يحدّه زمان أو مكان؟! أتعرفُ عزيزي القارئ ما معنى هذا؟

إنّه كلّما اقترب إنسانٌ ما من هذا الثّقب الخطير، أصبح متسائلاً إلى الأبد، وباحثاً عن الحقيقة بعيداً عن أيّة إيديولوجيا فكريّة أو انتماء سياسيّ أو حزبيّ أو ما إليهما.

إنّ صبري يوسف يحاول أن يخرج على الجميع ليعبُرَ بهم إلى فضاء تتّحدُ فيه الأضدادُ وتنعدمُ فيه الحروب والتناحرات والصّراعات الأزليّة.

وهو لأجل هذا يمكنُ القول عنه إنّه في حالة تطابقٍ مع ذاته. ولا بدّ لمن يصل إلى هذا المقام من التحوّل إلى ثقب أسود يلتهمُ المحيطَ ويتحوّل هو نفسه إلى جهة كُبرى شديدة الخصوصيّة.

أقول هذا، لأنّ عقلي الأكبر الخلّاق نفسهُ ثقب أسود تدُورُ وتَتَلَوْلَبُ بداخله دوّامةٌ من الألوان والعوالم والأشكال ، وأعرف جيّداً الخصائص والصّفات التي يتمتّعُ بها مَن تتحقّق له هذه المعادلة، لأنّه يُصبحُ هو نفسهُ رقصةً سرّيّةً تَلْتَهِمُ الكلمات والأشياء وكلّ ما يحيط بها ليُعيد هضمَها وتجسيدها ويُنتجَ بها أسئلة عذراء وحشيّة بكراً يعيدُ بها صياغة الكون من جديد.


صبري يوسف أديب يطرحُ ذاته كمشروع يرنو من خلاله إلى هدم كلّ ما هو فائض عن التجارب المتكرّرة والمتشابهة والروتينيّة, عبر مسارٍ يسعى إلى وضع بصمة مختلفة وغير متكرّرة تخلقُ الكونَ بحواسّ جديدة ومفاهيم مختلفة.

تنقضُّ على أشجار الغابة ونجوم القبّة السّماوية بأعاصيرِ أسئلةٍ تنسفُ حتّى الرّماد لتتحقّقَ له نجاتُه ككاتبٍ من الوقوع في فخّ التّعليم والإرشاد والتّلقين، لأنّ العِلمَ البِكر لا يُؤخذُ من الآخرين، ولا من الكتب ولا من أيّة جهة أخرى، إنّما ينبع من الذّات الخالصة.

لأجل هذا لا بدّ من الخروج من نار الاحتراق الحروفيّ بجسد إبراهيميّ لا تأكل منه ألسنة اللّهبِ شيئاً، وبأفكار لا تحترقُ وإنّما تُحرّكُ جمرَ السّؤال الكامنِ تحت التّراب من أجل نفخ الرّوح في غيمة لا ينفد مطرُها أبداً.

لقراءة المزيد من المقالات حول الادب الغرائبي والعجائبي السوري, اضغط على الرابط:

https://art-analyse.com/wp-admin/post.php?post=185&action=edit

لقراءة مقالة حول الفنان والاديب السوري اضغط على الرابط:

https://www.almothaqaf.com/qadayaama/qadayama-09/18271

1 تعليق

  • يقول wellbutrin generic:

    I’m also commenting to let you be aware of of the cool discovery my child encountered checking your blog. She came to understand a lot of details, including how it is like to have a marvelous coaching heart to get folks easily fully grasp a variety of complicated issues. You actually did more than my desires. I appreciate you for delivering such good, dependable, edifying and also cool guidance on that topic to Ethel.

أترك تعليق