العجائبي والغرائبي في الرواية السورية ج4.



بالإضافة إلى والد صبري يوسف، هناك عمّه يوسف شُلو الّذي يقول عنه إنّه كان معلّمه الأول في تعليمه الأبجديات الأولى في السّرد القصصيّ والرّوائيّ ولقد كان بَنّاءً معماريّاً من الطّراز الرّفيع كما يبدو واضحاً في هذا المقطع:

(( عمّي من لون القمح الصّافي، بنى مئات البيوت في ديريك العتيقة وفي ديريك وقرى ديريك، بنى قرى جديدة خلال شهور، أرضٌ جرداء تراها بيتاً بعد أيَّام، سرعةٌ من حفاوة بناء القصيدة!


عمّي رحلةُ عطاءٍ مجبولة بالوفاء، كحَّل مآقي ديريك بمحبّة كبيرة من خلال جاكوشه ودبّورته، ومهاراته في بناء عشرات البيوت الّتي ستظلُّ شامخة وشاهدة على جدار الزّمن إلى أمدٍ بعيد!”. )).

ولعلّ هذا هو السّبب الرّئيس الّذي جعل صبري يهتمُّ أيضاً في الجزء الأول من كتابه (تجلّيات الخيال)، بالمهندسة المعماريّة العالميّة زها حديد ولقد أدهشني كيف أنّه ضمن الصّفات الّتي وسمَها بها من حيث كونها معماريّة ونحّاتة أضاف إليها صفةَ “الرّوائيّة” و”القاصّة”.

ممّا يعني أنه يربطُ في ذهنه بين السّرد والبناء، وبين العمل الأدبيّ والهندسة والمعمار بشكل عامّ كما هو واضح في الصورة رقم 06، وهو الأمر الّذي سعيتُ على طول قراءاتي إلى تدقيقه والتحقّق منه، فكيف يا ترى يبني صبري يوسف سردياته؟

للجواب عن هذا السّؤال سأقفُ بشكل مفصّل عند روايتيْه (تجلّيات في رحاب الذّات) و(إلقاء القبض عليّ حاسر الرّأس)، مع الوقوف أيضاً عند (حوار مع الذّات، ألف سؤال وسؤال).

باعتبار أنّ هناك العديد من التقاطعات بين ما هو روائيّ محض وبين ماهو حواريّ سيرَذاتيّ وعلى ذكر السّيرذاتيّ فإنّه لا بدّ في البداية من الحديث عن دور السّيرة الذّاتية في العمل السّرديّ لدى صبري يوسف ثمّ المرور بعد ذلك إلى التفاصيل الأخرى المتعلّقة بالبناء الهندسيّ لعمليْه الرّوائيَيْن.


أ‌) تجاربُ الحياة كأساس للبناء السّرديّ:


أذكر أنه في عام 1929 اقترح أحدُ النّاشرين الأمريكيّين على سيغموند فرويد كتابة سيرته الذّاتية، لكنّ هذا الأخير تملّص من الأمر كعادته في بعض المواقف التي تصبح فيها حياته الخاصّة على المحكّ.

وقال إنّه ليس لديه أيّ استعداد لممارسة الكذب الّذي عادة ما يلجأ إليه الكثير ممّن يفكّرُ في كتابة سيرته الذّاتية سواء كان من مشاهير الفنّ أو السّياسة أو الكتابة والأدب بشكل عامّ.

فيرجينيا وولف قامت بالشّيء ذاته، حيث اكتشفت أنّها ليست بقادرة بتاتاً على الخوض عميقاً في ذاكرتها النّفسيّة ومواجهة آلامها والمناطق المعتمة والمظلمة فيها بشكل أكثر جرأة وشجاعةً.

وأذكرُ أنّها التقتْ فرويد في السنوات الأخيرة من حياتها وأعطاها زهرة النّرجس كهدية منه، ولعلّها كانت رمزاً كان يريد أن يقول به إنّ العمليّة الإبداعيّة عادة ما يكون فيها الكثير من النّرجسية.

لكن المحيّر حقيقةً في الأمر هو أنه هناك العديد من الكتّاب الّذين جعلوا من الكتابة الذّاتية معرضاً فجّاً لكلّ التقيّحات النفسيّة والفضائح الأخلاقيّة لدرجة أنّ هذا الجِنس الأدبيّ أصبح بين القرّاء ذا سُمعةٍ وصيتٍ سيّئَيْن للغاية.

وقليل هُم الأدباء الّذين أظهروا نوعاً الجرأة على خوض غماره وتحمّل نتائجه المريرة بأقلّ الخسائر الممكنة، هذا لا يعني أنّ كلّ من أقدم على كتابة سيرته الذّاتية غرق في وحل الزّيف ونفْخ الأنا المبالغ فيه.

ولا يُمكننا أن ننسى أبداً القديس أغوسطينوس ولا روسّو في هذا المجال؛ الأول أسّس للسّيرة الذاتية كجنس أدبيّ روحيّ، والثاني شكّل تحوّلاً علمانيّاً حاسماً في هذا النّوع من الأدبيّات، لكن ماذا عن صبري يوسف.

ما الّذي يميّزه عمّن سبقه من أدباء السيرة الذّاتية؟ أعتقد أنّ هناك فرق كبير من حيثُ طريقة كتابة السّيرة لاسيما وأنّه جمع فيها بين الهدف التّطهيريّ الرّوحيّ، والهدف الإبداعيّ الخلّاق.

أمّا الهدف الأوّل فقد بدا واضحاً في أكثر من مقام سواء داخل منسوجاته الرّوائية أو ضمن أجوبة حواره الموسوعيّ مع الذّات، ولقد توقّفتُ طويلاً عند المقطع الّذي قال فيه ما يلي:

((سأتدلَّى يوماً بالحبالِ في حفرةِ تحومُ حولها شهقات البكاء، وقبل أن أتدلَّى، لابدَّ أن أضرب ضربتي القصوى في رحابِ العطاء، لابدَّ أن أؤدّبني تأديباً لا يخطر على بال، لابدَّ أن أضع نفسي على المحكِّ الأخير، لابدَّ أن أطهِّرَ نفسي من ترّهات هذا الزّمان؛ كي أتدلَّى بطريقةٍ تليقُ بالسّماءِ وثباتِ الحبال!))

ومن هنا يبدو أنّ السّيرة الذّاتية عنده هي بالأساس نوع من التّطهير والتّأديب الرّوحيّ بالضّبط كما كانت بالنّسبة للقدّيس أوغسطينوس الّذي على الرّغم من كون جنحة سرقة الكمثرى لم تكن ذات شأن إلّا أنّ شخصيته كرجل سائرٍ نحو الله تعذّبت كثيراً بسبب التّفكير في تلك الهفوة التي وقعت حينما كان مراهقاً.

ضِف إلى ذلك صراحته الكبيرة وهو يروي عن حياته العاطفيّة الحافلة آنذاك بالمغامرات، وهي المغامرات الّتي لم أجدها حاضرةً في سيرة صبري يوسف الذّاتية سواء داخلَ الحوار أو الرّوايات اللهمّ بعض الإشارات لبعض القصص واللقاءات اللّطيفة المروية بشكل عفيف جدّاً مع الأنثى عموماً كصديقةٍ دائمةٍ كانت أو عابرة، أو كحبيبة مميّزة لم يبُح باسمها بشكل صريح أو واضح.

أمّا عن هفوات المراهقة والشّباب فقد تحدّثَ عنها صبري بدون أدنى تحرّج، لا سيما في روايته (إلقاء القبض عليّ حاسر الرّأس)، وقد رافقها نوع من التأمّل والتفكير التربويّ الإصلاحيّ للذّات كما يبدو جليّاً في هذا المقطع من الرّواية:

((وأيّة مخالفة قانونيّة هي مخالفة، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، والَّذي يخالف مخالفة صغيرة سيخالف مخالفة كبيرة والَّذي يخالف مخالفة كبيرة، سينهب الوطن برمّته لو تمكّن من نهبه، وسيعتبر كلّ هؤلاء المخالفين أنفسهم منتصرين،

مع أنّهم مجموعة لصوص وفاسدين ومفسدين، لهذا علينا أن ننظر إلى ذواتنا المدبّقة بالرَّماد والأخطاء والفساد والغباء والغشِّ والخداع، وعلى ضوئها نسعى لتطهير ذواتنا بالاعتراف أولاً لذواتنا وضمائرنا على أنّنا على خطأ،

عندها سنضع أيدينا على الخطوة الأولى للوصول إلى مرافئ الانتصار الحقيقي على الاعوجاج والفساد الَّذي يفتك بنا، وسنسير بالخطوة الأولى نحو بناء الوطن، الّذي يتّهمه البعض ليل نهار بأنّه لا يحقِّقُ لنا طموحاتنا وأهدافنا، في الوقت الَّذي يغرقه بنوه بألف طريقة وطريقة في الفساد والخراب والدَّمار.


أشعر الآن بالهدوء والسّكينة لمجرَّد أنّني وجدت نفسي على خطأ تجاه نفسي وتجاه الوطن معاً، استرخيت على سريري سارحاً في أفكاري، أناجي روحي متسائلاً، هل أصلح أن أرمِّمَ جزءاً من أوجاعِ خاصرات أوطاننا الغائصة في جراحِ الصَّولجان، أم ماأزال محتاراً بين بين؟! ))

، يبدو واضحاً كيف أنّ التّأمّل في تجارب الحياة قاد الكاتب في النهاية إلى البحث عن استقلال أكبر لكينونته وهي تسير نحو السموّ الرّوحي عبر النّظر إلى تفاصيل حياته بما يسمّى بعين الرّوح التي أوصلته إلى معاينة نور اليقين بداخله.


عادة ما يواجه كتّاب السّيرة الذّاتية مشكلة خلق نوع من البلبلة في الأوساط المحيطة بهم بسبب بعض الاعترافات التي تكون على قدر عالٍ من الحساسيّة وتأتي في وقت متأخّر جدّاً فتؤجّجُ من جديد الأحداثَ وتعطيها بُعْداً آخر ربّما فيه الكثيرُ من الاضطراب.

وقد واجه صبري يوسف في مذكّراته الحواريّة هذا المشكل بلباقته وحكمته المعهودتيْن فيه، وهي المعالجة التي كنتُ أتابعها بشكل مباشر على صفحته، حينما كان يوصي الأهلَ والأصدقاء بضبط النّفس والنّظر إلى الأمور من حيث أنها مجرّد فيض إبداعيّ وسردٍ أدبيّ جاء في وقتٍ امّحتْ فيه كلّ آثار الضّغائن والغضب والأحقاد وما إليها.

وهو ما عثرتُ عليهِ لاحقاً في الجزء الثاني من (حوار مع الذّات، ألف سؤال وسؤال) وبالضّبط في جوابه عن السّؤال رقم 138 حينما قال:

((بادئٍ ذي بدء أرجو من كافّة القرّاء والقارئات، الأصدقاء والصّديقات والمتابعين والمتابعات عدم التَّطرُّق كلّياً عبر تعقيباتهم وردود فعلهم إلى الجهة الّتي تعرّضَتْ إلى ابن عمِّي ولاحقاً لي ولأخي، وعدم شخْصَنْة المواقف،

بل الوقوف عند تساؤلاتي وردودي كنصوص سرديّة وحواريّة، وكبحث عميق في أدب الحوار؛ لأنّ حوار مع الذَّات، ألف سؤال وسؤال، هو حوار أدبي فكري سِيْروي إبداعي خالص،

خاصّة في مقاطع الإجابات القادمة الّتي سأنشرها تباعاً فيما يخص المواجهات الّتي تمَّت ونتائجها الكارثيّة، لكن حكمتي وحكمة أصحاب الخير -آنذاك- حالت دون تصاعد المواقف، وتمَّ حلّ المشكلة من جذورها، وتعمّدْت عدم ذكر الأسماء من الجانب الآخر؛

احتراماً لمشاعرهم ومشاعر الكثير من الأحبّة الأهل والقرّاء والقارئات! لأنَّ هدفي ليس ذكر الأسماء في هذا الجزء من الحوار، بل أن نأخذ عبرةً ممّا حصل؛

ولهذا فإنَّ الهدف من عرض ما حصل في سياق تساؤلات وإجابات ليس من باب عرضها كأحداث، بل من باب عرضها كعبرةٍ وتجربةٍ وأدبٍ وحالاتٍ إبداعيّة في أدب الحوار مع أعماقِ الذّات،

فقد سبق وأغلقت هذا الموضوع وتمَّت المصالحة منذ قرابة أربعين عاماً؛ لهذا تفادياً لأيّة حساسيّة من أيِّ طرفٍ آمل من كافّة المتابعين والمتابعات،

عدم التَّطرّق نهائيّاً إلى موضوع الحقِّ على فلان وفلان أو التَّهجُّم على فلان وفلان، وربّما هناك من يراوده أن يتهجَّم على الطّرف الآخر،

والَّذين أصلاً هم أصدقائي وبمثابة أهلي وخلّاني؛ لهذا فكّرت طويلاً قبل أن أدرج محاور هذا الحوار الخاص لحساسيّته المفرطة، ولكن إنصافاً للتاريخ ولهذه الذّاكرة المحبوكة بالحنين، حتّى ولو كانت مجبولة بالأسى والأنين، أحببتُ الوقوف عند مفاصلها العميقة؛

لكي تكون عبرةً لنا وللأجيال القادمة، حيثُ غصتُ عميقاً في ذاتي؛ كي أواجهها بأسئلة حارقة من العيار الثَّقيل؛ كي أتطهَّر كلِّيّاً من كلِّ الشّوائب العالقة في الكثير من محطّات الحياة،

وأنّني وجدتُ بعد دراسة الأسئلة الَّتي صغتها في هذا الملف الشَّائك، أنّها مادّة غنيّة ومهمّة للغاية لإدراجها في حوار مع الذَّات؛ لما لها من علاقة مباشرة وعميقة مع الذّات، وقد كانت مدرجةً في برنامجي مادةً لعملٍ روائي، لكنّي وجدتها مادَّة غير مناسبة لعمل روائي؛

لحساسيّتها، مع أنّني كنتُ أميل جدّاً لكتابتها عملاً روائيّاً؛ لما فيها من تشابكات عميقة في عمليات السّرد الرِّوائي؛ ولهذا أحببتُ الآن أن أصيغ من معالمها بعض الأسئلة الّتي تغطِّي الجزء الأكبر من الأحداث الّتي وقعت منذ أربعة عقود من الزّمن،

وأعرضها هنا من باب مواجهة الذَّات ذاتي، وليس من باب نبش الماضي؛ فأنا كما يعلم الجميع أنّني كنتُ وما أزال رجل سلام ومحبّة ومصالحات،

وعلى يدي وبقرارٍ منّي تمّت المصالحات كلّها، وبالاتِّفاق والتّنسيق مع أهلي طبعاً، كما سأعرض كيفية سير المصالحة الّتي تمّت في سياق الحوار القادم عبر الكثير من التَّساؤلات!

وهاهو الأديب صبري يوسف، يؤكّد مرّة أخرى على الهدف التطهيريّ الذي يكمن وراء خوضه لتجربة الكتابة السّيرويّة، ويجعلُ منها مادّة خصبة يضع بها الحجر الأساس الّذي سيبني فوقه صروح روايتيْهِ.

بيتٌ معماريّ من حروف وحكايات:

مرافقة صبري يوسف لعمّه المعماريّ الحكّاء بالفطرة لفترة طويلة من الزّمن، جعلتْ منه الرّوائيّ الّذي هو عليه الآن.

لكنّ هذا لا يعني أنّ الأمر لم يخلُ من مخاضات عسيرة تلتها ولادات متعدّدة وذات مسارات فكريّة متنوّعة، وكونه إلى اليوم اقتبس من تجارب حياته ثلاث روايات فهذا جاء نتيجة اختبارات ذاتيّة ومراقبة شخصيّة صارمة، لدرجة أنّه أقدم على تمزيق أوراق أوّل رواية باكرة له وكانت بعنوان ((النّاسك)).

وذلك لأنّه لم يكن راضياً عن بنائها الفنّي ولغتها السّرديّة، على الرّغم من أنّ موضوع الرّواية وحوارها وخيوطَ التّشويق وفضاءاتها كان لا بأس به، وهو الأمر الّذي تحدّث عنه بشكل مباشر في الجزء الثامن من (حوار مع الذّات، ألف سؤال وسؤال) حينما قال:

((وسؤالي هو أنَّ هذه البيئة الفلَّاحيّة البسيطة لا تخلق جوَّاً إبداعيَّاً لأنَّه لم يكن لدى أسرتي أيّة توجُّهات في الكتابة وحمل القلم إلَّا أنا، لهذا فقد أخطأتُ أخطاءً كبيرة، لعدم وجود مَن يرشدني ويوجّهني إلى الطَّريق القويم.

وأغلب أصدقائي أيضاً ما كانوا يحملون أبعاداً لإرشادي إلى الهدف العميق للكتابة، باستثناء الصَّديق نعيم إيليا، فقد كان يحمل بُعداً ورؤية عميقة في فضاء الكتابة، فأتذكَّر أنّه قرأ إحدى رواياتي المخطوطة بخطِّي ثلاث مرّات، وعندما قرأها، استخفَّ فيها، حتّى أنّه لم يعطني رأيه فيها لأنّه رآها تفتقر إلى الكثير ممَّا يتطلَّبه فضاء الرِّواية من فضاءات سرديّة وبناء فنِّي عميق، وهذا ما كنتُ أفتقره آنذاك!

وسافر نعيم إلى برلين في أوجِ حاجتي لملاحظاته وتوجيهاته، ثم بدأتُ أيضاً بعد تخرُّجي من الجامعة أخطِّطُ للسفر إلى ربوع ألمانيا والغرب، لهذا وقعت في أخطاء كثيرة، لأنَّني لم أخطَّط خلال السَّنوات العشر الأولى من تجربتي في الكتابة في سوريا، لهذا كل تلك التّجربة كانت عبارة عن تدريبات على الكتابة.

وخلال السَّنوات العشر الأولى في السُّويد أيضاً كانت أيضاً مشوّشة وغير مدروسة، ولم أجد في أغلبِ مراحل حياتي كاتباً محترفاً يحمل بُعداً عميقاً في الكتابة، يساعدني وأساعده.

لهذا أخطأت في بداياتي أخطاءً فادحة في الكثير من مراحل حياتي إلى أن وصلت إلى مرحلة العثور على نفسي ككاتب محترف، وقد استهلكتُ قرابة 30 عاماً إلى أن اكتشفتُ أخطائي الّتي وقعت فيها، بعد أن ضيّعتُ الكثير من الوقت مع أصدقاء وصديقات وعوالم ليس لها أيّة علاقة بالإبداع،

ومنذ قرابة 20 سنة الأخيرة فقط استفدت من تجربتي في فضاء الكتابة، والأدق أن نقول:

منذ السَّنوات العشر الأخيرة في حياتي، وقد لاحظت أن الكاتب لا يعرف أنّه كاتب محترف إلّا بعد وقتٍ طويل، وسنوات طويلة، ولو عاد الزَّمن للوراء لغيّرت الكثير من برامجي الّتي خطوتها في عالم الكتابة، لهذا لدي الآن برامج دقيقة للغاية فيما تخص مشاريعي الإبداعيّة الّتي تنمو وتتهاطل مثل زخّات المطر!.


أمّا بالنسبة لروايتيْه (تجلّيات في رحاب الذّات) و(إلقاء القبض عليّ حاسر الرأس) ، فالأمر يختلفُ تماماً، لأنّ الكاتب عرض نفسه فيهما كأديب متمكّن من أدواته وبالتّالي على دراية واسعة بتقنيات الرّواية وأساليب كتابتها وطرقها المتنوّعة، وهو الأمر الذي تجلّى عبر الإحاطة بالعديد من التفاصيل كالفضاء المكانّيّ ودلالات الزّمن الحكائيّ في الرّواية وأنظمة صياغة المتن الرّوائي.

أمّا عن الفضاء المكانيّ فأعني به ما يُسمّى عادة بالفضاء الجغرافيّ والّذي يمكن تقسيمه في الرّوايتيْن إلى فضاء جامع هو سوريا، وآخر متفرّع لأكثر من مدينة ومنطقة أهمّها ديريك مسقط رأس الكاتب.

والتي لا يمكنُ دراستها أبداً كفضاء مكانيّ مستقلّ بذاته عن رواية (تجلّيات في رحاب الذّات) ومضمونها مثلما عادة ما يفعل بعض النقّاد في بعض داراساتهم للفضاء الجغرافيّ دون الاهتمام بمن يسكنه ولا بما يتحرّك في داخله من أحداث ووقائع.

وإنّما وجبَ النّظرُ إليه كمكانٍ لم يكن ليتشكّلَ داخل الرّواية لولا ما رسمه له صبري يوسف من مقوّمات سرديّة وحدّده من دلالات تكوينيّة أعطته الحياةَ وجعلته فضاءً قائماً بذاته بين صفحات (تجلّيات في رحاب الذّات).

وهي الدّلالات المرتبطة بشكل مباشر بالفترة التي كان فيها صبري يوسف مقيماً في سوريا، وهي الفترة التي تناولها أيضاً بالتحليل والنّقد في روايته (إلقاء القبض عليّ حاسر الرّأس) ، وفيها البعض من أجواء الإيديولوجيم أو الطّابع الفكريّ والاجتماعيّ العام الّذي كان سائداً آنذاك في سوريا والعالم العربيّ بشكل عامّ.


وبمعاينة الطّريقة التي تناول بها صبري يوسف ديريك كفضاء مكانيّ لأحداث روايته (تجلّيات في رحاب الذّات)، نجد أنه حقّق نوعاً من التطوّر في الكيفيّة التي كان عادة ما يتناول بها أدباء العصر الوسيط عنصر المكان (الأرض) في أدبياتهم إذ كانوا كثيراً ما يضعون حاجزاً بين ماهو أرضيّ من حيث كونه مكان للخطيئة
.

وبين ما هو سماوي باعتباره فضاء لمتعاليات الملكوت الإلهيّ. عند صبري يوسف هذا الفصل أو التّعارض لا يوجد بتاتاً، وذلك لأنّه قطع أشواطاً كبيرة في العمل السّيكولوجي على تنميّة ذاته العليا وتحقيق سلامها والوصول بها إلى مرافئ الطّمأنينة.

ممّا دفعه بالتالي إلى تحقيق نوع من المصالحة بين الفضاء الجغرافيّ (ديريك)، وبين الفضاء السّماويّ، لدرجة أن ديريك تظهر في سرديّاته كمكان عدنيّ فردوسيّ بامتياز كما يوضّحه هذا المقطع من روايته (تجليات في رحاب الذّات):

بعدَ بضعةِ شهور قمَّطتني أمّي وربطتني وحملتني إلى سهول القمح، لملمَتْ باقات العشب والأزاهير البرّيّة ثمَّ عملته سريراً لي. استقبلتني الطَّبيعة بهوائها النَّقيِّ، حطّتْ فراشة جميلة على خدّي وأخرى على أنفي وهي تسمعُ إلى شهيقي.

نطّ جرادٌ صغير على صدري وسار فرس الأمير، جرادٌ أخضر صغير على مقربة منّي، توقّف عندما رأى فراشتَين جميلتَين على وجهي، فغار منهما وحاول أن يصعد نحو يدي اليسرى الَّتي خرجت حتّى نهاية السَّاعد من القماط، سار على أصابعي بهدوءٍ وحذرٍ شديد.

جاءت أمّي لتطمئنَّ عليَّ، فوجدتني أبتسم للجراد والفراشات والحشرات الصَّغيرة. ذُهِلَتْ أمِّي من هدوئي وانسجامي مع هذه الكائنات البرّيّة الجميلة. نظرتُ إلى الفراشتَينِ وروعةِ اخضرارِ فرس الأمير، جرادٌ صغير يسيرُ بكلِّ شموخٍ وبهاء، نطَّ جرادان صغيران بعيداً، حالما وصلَتْ أمِّي.


نظرَتْ أمِّي إليَّ وهي تبتسمُ، متسائلةً فيما بين نفسها، هل من المعقول أن تكون هذه المخلوقات الصَّغيرة قد فرحت لقدوم طفلي إلى هذه البراري، فجاءت تحتفي بقدومِهِ وتلعب معه؟!


كانت تنظر إليَّ وإلى الكائنات المتناثرة حولي وفوق صدري ووجهي بذهول، متمتمةً سبحان الله! ….

فرَّتْ إحدى الفراشات، ثمَّ حطَّتْ على خدِّ أقحوانة، انحنت أمّي وحملتني، ففرّتِ الفراشةُ وحطَّتْ على رأس أمّي، ونطَّ الجرادُ نحو أعشابِ “السَّيِّل والكاروش” المتعانقة مع أوراق “الحِمْحِمِ والقيفاراتِ ورأسِ الريِّسِ” وسيقان “البيشّكات” الرَّفيعة والمدبّبة مثل مسلّة غليظة نحو الأعلى.


أنمو كما تنمو سنابل القمح، عبرتُ عامي الخامس منتظراً حلول آذار وبدايات نيسان، لبسَتِ الطَّبيعة أبهى حللها، كأنَّها ستحضر حفل زفاف الأرض للسماء، وكم من المرّات زُفَّتِ الطَّبيعة لأجملِ الكائنات، للبحار، لزخَّات المطر، لحنين الصَّحارى، لضياء الشَّمسِ في صباحات نيسان الباكرة!

ولا أخفيكم أنّ هذا المقطع بما فيه من أجواء فردوسيّة، ذكّرني كثيرا بقصّة القدِّيسة ريتّا دي كاسيا وحكايتها مع النّحل الأبيض وهي طفلة رضيعة، إذ ذهبت والدتها ذات يوم لتعمل كعادتها فى الحقول فوضعتها تحت ظلِّ شجرة ثمَّ مضت.

ولدى عودتها تجمّدت الأمّ في مكانها من الخوف حينما رأت مجموعة من النّحل الأبيض تدخل فى فم طفلتها ثمّ تخرج منه بصورة مستمرة فخشيت إن هي أتت بحركة ما أن يشتدّ هيجان النّحل، فوقفت صامدة صابرة.

وهي تنظر بإعجاب شديد كيف أنَّ هذا النَّحل لم يأتِ لإيذاء صغيرتها، وإنّما كان يدخل فى هدوء شديد ليدهن حلق الطِّفلة بالعسل ويخرج منه كما دخل.

وكانت الطِّفلة تتذوَّق ذلك العسل فى طمأنينة وفرح. ولأجل هذا التوافق في كلتا الرؤيتيْن أرى أنّ الكاتب صبري قد قدّم للقارئ نموذجاً تصالحياً وئامياً كبيراً بين ديريك وبين السّماء في كلا البعديْن السرديّيْن الأفقيّ والعموديّ داخل الرواية وأحداثها كما أوضحّ في هذا الرّسم التّخطيطيّ:

ولقد ظهرت ديريك كمكان وئاميّ للتصّالح حتّى في رواية (إلقاء القبض عليّ حاسر الرّأس) يكفي الاطّلاع على على هذا المقطع منها الّذي يقول فيه صبري:

((خرجت أمِّي وبدأت تهلهل، عندما سمعت صوت زغرودتها طرْتُ فرحاً، تقدَّمْتُ نحوها أعانقها وأقبّل يدها وهي تبكي من الفرح.

وقالت أشكر الله خلّصَ ابني الجيش ووصل إلى بيته بالسّلامة، خرج ابي وهو يبستم قائلاً هذا صبريي خلّص العسكريّة بالسّلامة ثمَّ باسني، قبَّلته بفرح وقبّلت يده، وخلال دقائق استنفرت الحارّة وجاء عشرات النّساء الكرديَّات والسّريانيَّات والرّجال والشّباب والأطفال يقدّمون التَّهاني، سلَّمت علي أختي نظيرة والجيران الّذين كانوا مستأجرين عندنا!


اندهش الشّاب الَّذي أوصلني، حاولت أن أقدّمَ له هديّة على خدمته، فقال استغفر الله أستاذ، ولا فرنك بدّي منك، بس بدِّي أقدِّم لك خدمات محرزة!


تسلم، جاء الطّفل الَّذي بشّر أمّي وقال أستاذ أنا بشّرْتُ أمّك، ما تعطيني حقّ البشرويّة وهو يبتسم لي.


بلى عزيزي، قبّلته وأعطيته ما نويتُ أن أعطيه للسائق الّذي أوصلني!
نظر الطّفل إلى هديّته، وقال هذه المصاري كلّها لي يا أستاذ؟


أيوه حبيبي، ألمْ تبشِّر أمّي أنِّني وصلتُ بالسَّلامة وتسرّحْتُ من الجيش!


ابتسم لي وقال، أبوسك أستاذ، أحبُّك كتير أستاذ، عانقته وحملته وقلت له الله يخلِّيك لأهلك يا عزيزي، فيما كنت أعانقه حاملاً إيّاه.

شاهدتني أمّه وهي قادمة كي تسلّم علي وتهنِّئ أهلي بتسريحي، وسألتني لماذا تحمل ابني بهذا الشَّكل وتبوسه بكلِّ هذه الحرارة؟

فقلت لها لأنّه هو الّذي بشّر أمِّي بتسريحي، ثمَّ قال لوالدته الأستاذ أعطاني بشرويّة وأبرز هديّته لأمّه، سلّمت علي أمّه وباستني وهي تقول، الله يخلّيك يارب لأمّك وأبوك وأهلك!


تحوّل الجو إلى كرنفال فرح، توافد العديد من أهل الحارة، يهنِّئون والدي ووالدتي، وجاء عمّي وزوجته وأولاده وبناته وزوجة خالي المرحوم وابن خالي وبنات خالي، والأصدقاء.


سمع جارنا أحمو علانة الطّبَّال الشَّهير بخبر تسريحي فخبّر صديقه عازف المزمار سعدو مطرب، وجاءا وبدآ يعزفان بالطَّبل والمزمار.

تحوَّل الجو إلى اِحتفال بديع وبدأت النِّساء والشَّباب يرقصون على أنغام الطَّبل والمزمار وأمّي تهلهل بأعلى صوتها، كان أحمو علانة يعمل الشَّاباش على رأسي وعلى رأس أولاد عمّي وعمّي ووالدي، ونحن كنّا نقدّم له مكافآت على شاباشه.

والشَّاباش هو عبارة عن تقديم بضع كلمات بتكريم الشَّخص المحتفى به بالشّاباش، جوُّ بديع هيمنَ على أجواء المكان، جاء أخي سليمان ونعيم وزوجاتهما وأولادهما وقدَّم الجميع التَّهاني.


كان حوشنا الكبير غائصاً بالجمهور الَّذي توافد إلى بيتنا خلال وقتٍ قصير، شعرتُ وكأنَّ كلَّ هذا الفرح والإحتفاء بي، جاء ردَّاً كابحاً على الظّروف المريرة الَّتي مرَرْتُ بها، نتيجة موقف بسيط ما كان يستحقُّ كلّ هذه الشَّوشرات والمتابعات والتَّحقيقات، والتَّحرِّيات إلى أقصى دوريَّات الشِّمال، وحدَها الكتابة كانت سيّدة هذه الأحداث، وحدَها الكلمة تبقى ساطعةً على وجنةِ الحياة.

الأماكن في رواية تجلّيات في رحاب الذّات:


الأماكن في رواية (تجلّيات في رحاب الذّات) هي في الحقيقة متفرعة إلى مكانين رئيسيْن قد يبدوان غريبيْن في ذهن القارئ وأعني بهما رَحِمُ الوالدة، ثمّ رحِم الأرض / ديريك.

وهذا ما يبرّر كيف أنّ الأديب صبري يوسف استهلّ روايته بالحديث عن حدث ولادته ومارفقه من تفاصيل لها علاقة وشيجة بوالديْه. فمن رحم الأمّ سيظهر الروائيّ الّذي سيروي لنا كلّ المتون السرديّة.

ومن رحم الأرض سيظهر الأبُ كمُخَصِّبٍ لكلا الرّحمين وزارع لبذرة الحياة فيهما، أيْ تلك الحياة التي سيروي لنا تفاصيلها صبري عبر كل نتاجاته الإبداعيّة.

ومن هذين الرّحِميْن ستتوالد وتتفرّع أمكنة كثيرة تتداخل سواء في فضاءات رواية (تجلّيات في رحاب الذّات) أو فضاءات رواية (إلقاء القبض عليّ حاسر الرّأس).

وذلك لأنّ ضوابط المكان فيهما تتواشَجُ بلحظات الوصف وتراتب وتوالي الأحداث والوقائع، وتناوبها مع السّرد ومقاطع الحوارات فيه، إضافة إلى هذا فإنّ تغيير الأحداث وتطوّرها يفرض على صبري يوسف كروائيّ تجسيد هذه التعدّدية في الأماكن إمّا عبر توسيعها أو تقليصها وفقاً لما تمليه عليه ضروريات السّرد.

وهذا يعني أنّه من المستحيل الحديث عن مكان واحدٍ في كلا الروايتيْن، هذا إذا لم نقل إنّ حتّى صورة المكان الواحد تتنوّع هي الأخرى وتتشعّبُ حسب الزّاوية التي يُنظر إليه منها، وهذا ما يبرّرُ كيف أنّ دمشق وحاراتها وأزقّتها تظهر في رواية (تجلّيات في رحاب الذّات) بشكل يختلف تماماً عن الشّكل الّذي تظهر به في رواية (إلقاء القبض عليّ حاسر الرّأس).

وهذا يعود إلى الفاصل الزّمنيّ الّذي يوجد بين أحداث الرّوايتيْن، فالأولى تروي عن طفولة صبري وتمتدّ من زمن الولادة (1956) إلى بدايات السنوات الأولى من الطفولة والمراهقة. والثانية تروي عن صبري يوسف وهو شابّ (1978).

وهذا يعني أن هناك ما يقارب 22 سنة من الوقائع التي جرت في كلتا الرّوايتيْن. وكوني أشرتُ إلى تعدّدية الأمكنة وتنوّعها في روايتَيِ الأديب فإنّني أرنو إلى تحديد ما يسمّيه عادة أهل النّقد بفضاء الرواية العامّ.

لأنه في الحقيقة أشمل وأوسع من المكان الخاصّ باعتبار أنّه تجتمع فيه كلّ أماكن الرّواية بما فيها الحقل، البيت، المدرسة، الباص، السينما، الأحياء، الأزقة، والشوارع والسّاحات وما إليها.

وتعدّد الأمكنة في هذه الرواية راجع ولا شكّ إلى الحالة النّفسية القلقة للشّخصيّة الرئيسة فيها فهي تتحرّك بشكل متوتّر يزداد تفاقماً بازدياد حالة المحاصرة والشعور بالخطر والاختناق كطائر يخفق بجناحيه في كلّ الاتجاهات بغية الخلاص من قفصه.

وهو الأمر الّذي يتحدّث عنه صبري يوسف بإسهاب في وصفه لمختلف المراحل التي عبرها بين أزقّة وحارات وبيوتات دمشق من أجل حلّ الورطة التي أوقع نفسه فيها بسبب انتحاله لشخصية وهمية أثناء أدائه للخدمة العسكريّة.

توتّر الأمكنة إذن هو نابع من توتّر الشّخصيّات المتحرّكة فيها، وهو الأمر الّذي لا يوجد في رواية (تجلّيات في رحاب الذّات)، لأنّ الأماكن تبدو فيها فردوسيّة وغائصة في حالة من الوداعة والطّمأنينة والسّكون.

وهي لأجل هذا أضفى عليها الكاتب مسحة من الاتساع والانفتاح بعكس ما حدث في رواية (إلقاء القبض عليّ حاسر الرّأس).

بحيث تبدو الأماكن ضيّقة ومنغلقة، والمنزل فيها ليس هو الشّارع، والحارة ليست هي الزّقاق، والزنزانة ليست هي الغرفة، وهي كلّها أشياء شكّلتِ المادّة الأساسيّة التي بها بنى الرّوائي صبري وأسّسَ عالمَه الحكائيّ.

ساعياً إلى هندسة المكان بشكل يسمح لهُ بتقريب العلاقات بين مختلف الشخصيّات تارة، وخلق نوع من التباعد بينها تارات أخرى.


أمّا فيما يتعلّقُ بالنّظام الزّمنيّ للروايتيْن فقد رأى صبري أنّه ليس من الضُّروريّ أن يتطابقَ توالي الأحداث مع التّرتيب الفعليّ الّذي وقعت به في الواقع، وهو ما ظهر بشكل واضح في سياق الأحداث المسرودة ضمن رواية (تجلّيّات في رحاب الذّات).

ممّا يقود القارئ إلى التّمييز بيْن زمنيْن؛ زمن القصّة وزمن السّرد، الشّيء الّذي يخلقُ لدينا مفارقات تختلف في المدى والاتّساع أيْ في المجال الفاصل بين نقطة انقطاع السّرد وبداية الأحداث المتوقّعة التي تليها، وفي المدّة الزّمنيّة للأحداث من حيث طولها أو قِصرها.

وهذا ما يُؤدّي إلى ملاحظة أنّ هناك نظُمٌ معيّنة يصوغ من خلالها صبري يوسف سردياته وأهمّها لديه تتابع المتون في الزّمان كما حدث في رواية (إلقاء القبض عليّ حاسر الرّأس).

بحيث لا يلاحظ القارئ أيّ انقطاع مباغت بين الأحداث لا سيما وأنّها تتابعُ بشكل متواصل لتوازي وتوافِق حركات الشّخصيّات على طول فصول الرواية، ممّا أضفى على المتن الحكائيّ نوعاً من التّماسكِ المحبوك بشكل جيّد وعلى قدر عالٍ من الإتقان.

وهي النتيجة التي لم تكن لتتحقّق لولا اعتناء الكاتب بالاستهلالات السّرديّة التي يسعى من خلالها إلى تأطير مادّته الحكائيّة دون الاكتفاء فقط بالفعل الإخباريّ المقترن عادة بالشّخصيات بحيث تتحدّد بشكل آليّ وفي الوقت نفسه الخلفيّة الزّمكانيّة للمتن بأكمله.

ضف إلى هذا ظاهرة التكرار التي استخدمها الأديب صبري في رواية (إلقاء القبض عليّ حاسر الرّأس)، لا سيما فيما يتعلّق بوصف المشاهد المرتبطة بالقلق النّاجم عن محاولة بطل الرواية إيجاد حلّ يخرجه من المأزق الّذي ورّط فيه نفسه.

وهذا التّكرار جعل من الأحداث تبدو وكأنّها مرايا تتوالى الشّخصيات على الظّهور فيها بشكل أشبه بعدسات بلّوريّة تعكس تواتر الأحداث وتراتُبها بشكل على قدر كبير من الحركيّة والدّيناميكيّة التي لم تُزَحزِح رؤيةَ السّارد التي ظلّت تابثة على طول الرّواية بشكلٍ لم تحدث معه أيّة خلخلة أثناء تعاقبِ المتن زمانيّاً.

نهاية الفصل الرابع
يتبع الفصل الخامس
د. أسماء غريب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لقراءة مقالات اخرى حول الغرائبي والعجائبي في الرواية العربية:

https://art-analyse.com/wp-admin/post.php?post=183&action=edit

2

https://art-analyse.com/wp-admin/post.php?post=185&action=edit

3

https://art-analyse.com/wp-admin/post.php?post=189&action=edit


د. أسماء غريب ©

0 تعليقات

    أترك تعليق