العجائبي والغرائبي في الرواية السورية ج3.




“وصلني الفصل الثالث من الدِّراسة النقدية التّحليلية التي تقوم بها الأديبة والنّاقدة والمترجمة المغربية المبدعة د. أسماء غريب، وأدهشتني برؤاها وتحاليلها وغوصها العميق في أعماق أعماق كتاباتي، وحقيقة استطاعت هذه المبدعة أن تعرِّفني على نفسي أكثر ممّا كنتُ أنا نفسي أعرف نفسي!

وكل هذا اكتشفتْهُ عبر حرفي الّذي كتبته على مدى 30 عاماً من اغترابي في ربوع السويد!

عمليّة الإبداع لدى صبري يوسف, كيف تقعُ وما هي ديناميكيّاتُها؟!

قرأتُ بالطّول والعرض كتابات صبري يوسف في القصّة والرّواية، والشّعر والحوار، والتّشكيل والموسيقى وكافةّ الأجناس الإبداعيّة، وكنتُ كلّما قرأتُ ازدادتْ الرّغبة في القراءة أكثر فأكثر لكلّ هذا الزّخم من الفيض الحروفيّ على أكثر من مستوى دلاليّاً كانَ أو لغويّاً، أو إبداعيّاً وخياليّاً.

لكنّني لا أعتقدُ أنّني تأثرتُ بشكل انفعاليّ كبير وواضح بقدر ما فعلتُ حينما طالعني في الجزء الأوّل من (حوار مع الذّات، ألف سؤال وسؤال) جواب عن سؤالٍ كان الشّعلةَ التي أنارت لي درب البحث والتّساؤل عن الكيفيّة التي يؤسّسُ بها صبري صرح إبداعاته الحروفيّة، وأعني بالجواب ما يلي:


((كان والدي الَّذي لا يفكُّ الحرف، يستهويه أن يشرف عليَّ بطريقته الفلّاحيّة، وكان يمتلكُ روح الدُّعابة والفكاهة، حيث إنّه بعد عودته من الفلاحة.

يستحمُّ ثمَّ نتناول العشاء، وبعد أن نأخذَ قيلولةً، يطلب منّي أن أعمل دروسي أمامه، كان ينظر إلى خطّي وأنا أكتب درس القراءة كوظيفة كتابيّة، قائلاً لي:

اكتبْ خطّكَ “شدَّامدة”، أيوه “هيك شدّامدة” أي بشكل مستقيم ومساوٍ وعلى أفقٍ واحد، لا تتركه فوق أو تحت الخطِّ الرّفيع الَّذي تكتب عليه، أكتبه بشكل جيِّد مثلما تخطُّ سكّتي خطوط الفدّان بشكلٍ مستقيم.

كنتُ أضحك وأقول له: وما علاقة خطوط فدَّانك يا بابا بخطوط دروسي وكتابتي؟!


يضحك هو الآخر، متوعِّداً والده الّذي لم يضعه في المدارس كي يتعلّم القراءة والكتابة، مع أنَّ جدّي في حينها كان متوفِّياً منذ أكثر من ثلاثةِ عقودٍ من الزّمن، فقد توفَّاه الأجل في مقتبل العمر، فأصبح والدي يرعى أسرته، وكأنّه ربّ الأسرة، وهو في الرّابعة عشرة من عمره تقريباً.

ثمَّ تزوّج في مقتبل العمر، عندما كان ينظر إلى خطّي، بدعاباته المعهودة كان يقول:

“خطّك ينقّط منه سمّ”، قاصداً أنّه جميل ولا مثيل له. هذه كانت كلّ رعاية أسرتي بي، فقط جملة واحدة قصيرة من والدي:

خلّي خطّك “شدّامدة”!


كم لهذه الكلمة من وقعٍ على تفوّقي، على خطّي، حقيقة الأمر كان خطّي من أجمل خطوط التّلاميذ في مرحلتي، حتَّى أنَّ بعض المعلِّمين اتَّهموني مراراً أنَّ وظائفي الكتابيّة لا أكتبها أنا، بل إخوتي الكبار، فكنتُ أدافع عن نفسي.

مؤكّداً للأساتذة على أنَّ إخوتي لم يتابعوا دراساتهم، وخطِّي هو أحلى من خطّهم، وأنا في الصَّف الثَّاني، وعندما كنتُ أشرح للمدرسين عن إشراف والدي عليّ، وكيفية تركيزه على جمالية استقامة الخطّ، وضرورة أن يكون خطّي “شدّامدة” مثل خطوط فدّانه المستقيمة وهو يشقُّ الأرض في سكّته، سرعان ما كانوا يضحكون، ويبتسمون لي قائلين:

لهذا خطّك “شدّامدة” وأجمل من خطوط أقرانك!


كنتُ أجيبهم بدروي: ولهذا أيضاً خطوط فدّان والدي أكثر استقامة من خطوط أصدقائه الفلّاحين! فيردُّ عليّ الأستاذ: طبعاً وإلَّا كيف سترث جمال الخطّ واستقامته البديعة، لو لم تَكُن خطوط فدّان والدك متفوّقة على خطوط فدّان أصدقائه؟!


أضحكُ ويضحكُ الأستاذ ويضحكُ من حولي أصدقائي التّلاميذ!))


يا إلهي، أيُّ أبٍ هذا؟!

يقول صبري يوسف إنّه لم يكن يفكّ الحرف، وأنا أراه أبَ الحروف كلّها، لأنّ العلمَ المكتومَ في صدره يفوق بكثير العِلم الجيّاش في صدور العديد من الأساتذة الّذين دخلوا المدارس وتخرّجوا من أرقى الأكاديميّات.

أتعرفُ يا عزيزي القارئ لماذا أقول هذا؟ لأنّ السّيد صامو شلو لخّصَ بكلمات بسيطة جدّاً ودقيقة كيف تتمُّ عمليّة الإبداع الحروفيّ، وحدّد ديناميكيّاتها المتشابكة والعويصة بكل يُسرٍ وأريحيّة، إنّه يرى الكتابة حالة عشق وجِماع حروفيّ.

بالضّبط كما كان يقول الصوفيّ الأكبريّ ابن عربيّ. فالمحراثُ في ذهن السيّد صامو هو القلمُ، والأرض هي الورقة، والحراثة هي فعل الكتابة الذي يتمُّ عبر إيلاج المحراث في رحم الأرض، وبالتالي زرع البذرة التي تعطي حدائق غنّاءة من النصوص البديعة والمختلفة الألوان والأجناس.

لقد علّمَ السيّد صامو لابنه ما كان يسمّيه رولان بارت بلذّة النصّ، الّتي أشار إليها السيّد صامو باِسْم “السُّمّ”، أيْ الحلاوة والعسل، ممّا يعني أنّه كان يحثُّ الابنَ على بناء علاقة غراميّة مع الحروف ليتمكّن من مُجامعتها بلذّة روحانيّة وإيروتيكيّة عالية جدّاً كما كان يفعل هُوَ بمحراثه مع الأرض.

حتّى تنكشف للابن كنوزُ المعرفة والإبداع كما انكشفت لهُ كنوز الأرض وخيراتها التي ظهرتْ لاحقاً في لوحات صبري التشكيليّة.

والأبُ بحكم علاقته الفريدة مع الأرض الخلّاقة الولّادة، يرى أنّ العالمَ كلّه هو عبارة عن كتاب مسطور يتزاوج فيه كلّ شيء بما فيه الحروف التي هي كائناتٌ واعية مستقلّة بذاتها.

ويوجد بينها رسل وملائكة يتحرّكون بمبدأ المُجامَعة الكونيّة ولا يعرفهم إلّا أهل الذّوق والكشف الّذين يشترطون أن تكون كلّ كتابة مستقيمة أيْ باسمِ الله.

أو كما قال السيّد صامو شلو (اكتبْ خطّكَ “شدَّامدة”، أيوه “هيك شدّامدة” أي بشكل مستقيم ومساوٍ وعلى أفقٍ واحد، لا تتركه فوق أو تحت الخطِّ الرّفيع الَّذي تكتب عليه، اكتبه بشكل جيِّد مثلما تخطُّ سكّتي خطوط الفدّان بشكلٍ مستقيم))،

نعم “شدّامدة” أيّها القارئ حتّى يتطابقَ في ابنه العَالمُ الصغير (جسده وروحه)، مع العَالم الكبير (الكون) وبالتالي مع الكلمات الوجوديّة وتتحقّق لديه وحدة انسجاميّة تجمعُ الكلَّ فيتجلّى بداخله الخالقُ بشكل لا انقطاعَ فيه.

وهو التجلّي الّذي أسمّيه بتحقّق الوعي لدى صبري، وصحوة روحه وهو يُعلنُ دخولهُ إلى مسرح النّور ليؤسّسَ ما أسمّيه بولادة العقل العارف والذي يليه مباشرة إحساسه وشعوره القويّ بذاتهِ العليا كما أُظْهِرُ هنا عبر هذا الرّسم التخطيطي:

ولأنّ الإنسانَ هو تجسيد من تجسيدات الخَالق للكون المادّي، فإنّ كلّ حركة أو سَكَنة فيه هي نوع من الوعي الّذي لا يتحقّق إلّا إذا اجتمعتْ ثلاثة عناصر بعينها وهي المادّة والطّاقة ثم العقل. وعليه فإنّ الكتابة قبل أن تكون أداة في يد الإنسان فإنّها أداة الله عزّ وجلّ في الخَلق، لأنّها تُمثّلُ التجلّي النّشِط لإرادته.

ولأجل هذا تجدُ صبري يوسف كغيره من السّالكين والسّائرين نحو الله يتحرّكُ بمبدأ الخَلقِ عبرَ الحرف، وهو الخلقُ الّذي قد يصلُ حتّى إلى خلقِ كينونات نورانيّة تساهمُ في ضخّ المزيد من التّأييد في العملية الحروفيّة وهي الظّاهرة التي وقفتُ عندها مطوّلاً في كتابي العرفانيّ

((تَمثُّلاتُ السّادة الملائكة الكروبيّين في تجربة صبري يوسف الإبداعيّة (من الأدب إلى الفنّ التّشكيليّ))

وهذا يعني أنّ الملائكة الّذين كنتُ أتحدّثُ عنهم هُم في الواقع من خلق طاقة الوعي لدى صبري يوسف نفسه، ولكن عبر الاستناد إلى الطاقة المركزيّة للكائنات العلوية الملائكيّة التي هي من الخلق الإلهيّ المطلق بشكل مباشر.


ولمن يتساءل هل يمكن أن يحدث هذا وكيف؟ أقول نعم، وذلك وفقاً لما يلي من الإيضاحات:


بما أنّه لا بدّ للوعي مِن مراكز تكاثفيّة يتخلّق من خلالها، فهذا يعني أنّه كلّما كان هناك وعي، كانت هناك أيضا وبشكل آليّ عملية خلق، وأنت وأنا وصبري يوسف وغيرنا ما نحن جميعاً سوى مراكز متكاثفة للوعي الّذي إذا انعدم دخلَ الكونُ في غيبوبة وسبات كامليْن.

وعليه فأينما يوجدُ مركز تكاثف للمحتوى الكونيّ وُجِد الوعيُ والذي أعني به الشمس المتمثلة برمز العين التي رسمتُها آنفاً، والتي ظهرتْ أيضا في بعض لوحات صبري يوسف وأطلقتُ عليها في كتابي النقديّ بميكال شمس الشموس .

وعليه فإنّ فعل الكتابة عند صبري يوسف هو أيضاً حركة مستمرّة لمحتوى العقل الدوّاميّ لديه، وكلّ ما يكتبُه هو نتيجة لهذه القوّة الفكريّة التي تخلقُ مجالاً مُعيّناً من الطّاقة المتعلّقة بالأشياء المستهدفة فكرياً منه بحيث يحدثُ نوع من الإشعاع والرّنين المتناغم بينه وبين الحرف وعملية الإبداع بشكل عامّ.

فيستخدمُ بمبدأ أليس في بلاد العجائب عقلَه الواعي لخلق الكينونات الفكريّة الحروفيّة معتمداً في ذلك على قوّة خياله الخلّاق.

لقراءة سلسلة الغرائبي والعجائبي في لبرواية السورية. اضغط على الرابط:

https://art-analyse.com/wp-admin/post.php?post=189&action=edit

2

https://art-analyse.com/wp-admin/post.php?post=181&action=edit

3

https://art-analyse.com/wp-admin/post.php?post=189&action=edit

لقراءة مقال حول الكاتب صبري يوسف:

https://www.almothaqaf.com/qadayaama/qadayama-09/18271

د. أسماء غريب

1 تعليق

  • I am also writing to make you know what a impressive encounter my friend’s girl gained reading through your web page. She learned plenty of pieces, which include what it’s like to possess an amazing helping mood to let most people smoothly know several impossible subject matter. You truly exceeded our own expectations. Thank you for offering these invaluable, safe, explanatory and even fun tips about this topic to Julie.

أترك تعليق