موت المؤلف


لا شك أنه قد حدثت تغيرات شبه جذرية فيما يتعلق بفكر الإنسان عموما، وبالفن خصوصا، وأكاد أجزم إن التغيرات الفكرية الفنية قد تجاوز أثرها حدود الفن إلى كل مناح الحياة، العمارة، الملبس، السلوك، الرؤية، بل والطبيعة ذاتها. لكني هنا سأقف على جزء من الفن وهو الأدب، حيث الكلمات تشكل المادة الخام، وبالأخص نظرية (موت المؤلف).


تلك النظرية التي قد لا يدرك الكثير أثرها على الأدب إبداعا وتلقيا.


تمهيد:

يمكن القول إن الأدب قد مر بأربع مراحل كبرى:

  • مرحلة الاهتمام بالكاتب (لاهوت المبدع).
  • الاهتمام بالنص (النصية)
  • موت المؤلف (سطوة اللغة)
  • الاهتمام بالقارئ (الدلالات اللانهائية).


بنظرة سريعة للميثولوجيا يمكننا إدراك أن دراسة مرحلة بمعزل عن الباقين هو أمر مستحيل، ضرب من الخيال بل والخبل، حيث تنحسر الحواجز بين المناهج، فهي تتلاقح فيما بينها صانعة مزيجا لا يقبل استخلاص واحدا ومناقشته على انفراد، هذه هي الطبيعة التي لا انفلات من سطوتها.

نظرية موت المؤلف والفلاسفة:


عند التعرض لنظرية (موت المؤلف) لابد وأن يتردد اسمان بقوة. (دي سوسير)، و (بارت)
فرديناند دي سوسير السيميائي السويسري الأشهر المتوفى عام (1913)، وهو من أعظم الباحثين في علم اللسانيات والإشارة والدلالة.


رولان بارت المنظر والباحث والناقد الفرنسي، والمتوفى عام (1980)، وهو أحد أهم الفلاسفة، ومن أهم رواد علم الإشارات والدلالة.


عندما نادى (فريدريك نيتشه) بموت الإله، انزياح السماء من فوق الأرض، ودحر المنظور الغيبي لتفسير المبهم من الأمور، طغت اللايقينية المطلقة، حيث لم يعد هناك مقياسا وحيدا للحكم (الصواب والخطأ)، بل عدد لا نهائي من المقاييس والأحكام، تساوي عدد مخيلات البشر جميعا، فما يعتقد إنسان في صوابه قد يكون هو الخطأ بعينه عند الكثيرين، وما لا يمكن تبريره ماديا صار من الممكن تبريره حسيا.


ذلك اللا يقين يفضي إلى العدمية بالأخص، فغياب المقياس الثابت يفقد كل شئ قيمته، ويفرغه من مضمونه ولو كان الوجود الإنساني.


هذا ليس ربطا مطلقا بين النظريتين (موت الإله) (موت المؤلف)، لكن هناك رأي وجيه يعتمد تأثر (بارت) بالنيتشوية.


وكان (مالارميه) من أوائل من نادوا باستبدال مالك اللغة باللغة نفسها، والمؤلف بالنص، أي أن النص هو كل شئ، وبشكل أوضح استبدال الغائب المحتمل، بالموجود.


لكن (وهذه وجهة نظر خاصة) أرى أن الأمر أبعد من (مالارميه) بكثير، فمن الأثر (الذي لم أطلع عليه كاملا) توجد دلالات وإشارات تفيد انسحاب الكاتب من نصه، وطرحه للتأويل دون الرجوع إلى شخصه، هنا أعود بالزمن إلى (المتنبي)


“أنام ملئ جفوني عن شواردها ** ويسهر الخلق جراها ويختصم.”


كان هذا البيت الشعري واضحا، وكأنما يضع تأصيلا للنظرية قبل طرحها، كتب ما كتب وترك الدلالات تعصف بالمتلقين.

موت المؤلف ملحوظة:

يمكن تجاوز هذا الجزء نظرا لكونه علمي بحت، والاكتفاء بتعريف وطبيعة كل من اللغة والكلام. بدأت الشرارة الفعلية من عند مجهودات وأبحاث (دي سوسير) السيميائية، حيث وضع بعض الأسس والتعريفات. وبعيدا عن التعقيدات العلمية الجامدة، عرف سوسير اللغة على أنها مؤسسة اجتماعية. والكلام على أنه نشاط فردي.

وقال بإن اللغة ليست غريزة فهي مكتسبة من خلال التفاعل، الاحتكاك والثقافة، الطفل يولد بدون لغة لغياب رموزها. ويمكن دراسة اللغة بشكل علمي، هذا يلزمه تركيز الدراسة على وحدات اللغة نفسها، الصوت، النحو، الصرف، التراكيب، والدلالة، هذا مع تجاهل الكلام وما يقوله.

بهذا فإن الكلام يأتي في المرتبة التالية للغة، رغم أن اللغة جزء من الكلام، لكن لا يمكن للمتكلم أن يستعمل اللغة ويوظفها مالم يكتسبها، ويتعلم قواعدها بشكل سليم، فليس كل الكلام لغة. الكلمات المتراصة دون رابط أو دلالة لن تشكل لغة.

لذا اعتبر دي سوسير اللغة شئ مجرد ومستقل عن المتكلم لأنه يتبع قواعد صارمة قد لا يكون له دخل بها، واعتبر الكلام متوقف على إرادة المتكلم، فحين يريد قول شئ يقوله بدون قواعد. الكلام هو القدرة على إصدار الأصوات بشكل واضح صريح، ولتتميز الأصوات لابد من وضعها في تناغم واضح وصحيح.

بهذا يكون الكلام هو الفعل، واللغة هي حدود هذا الفعل. الكلام سلوك، واللغة معيار له.

الكلام نشاط صوتي، واللغة هي القواعد المنظمة لهذا النشاط. الكلام نميزه بالسمع، واللغة بالتأمل والفهم للمسموع وللمقروء. كل هذا يصب في صالح استحالة دراسة الكلام بشكل علمي، لأنه سلوك فردي، الفردي يقوم على الاختيار، والاختيار لا يمكن التنبؤ به، وما لا يمكن التنبؤ به لا يمكن دراسته علميا.

وللغة طبيعتان صوتية وشكلية، منطوقة ومكتوبة، وتعتبر الكلمة هي الرمز للمعنى الذي تدل عليه، وليست ما تدل عليه بذاته.

ممارسة الكتابة – وهي ما نعنى بالحديث عنه تحديدا – أي نوع من الكتابة يحتاج إلى لغة، ومن الواضح أن كل نوع كتابي يحتاج إلى لغة خاصة، بمعنى أوضح يحتاج إلى مستوى من اللغة داخل اللغة نفسها، لغة الفكر، العلم، الفلسفة، الفقه، ولغة الفن، ليس هذا فحسب بل وتتعدد المستويات في المجال الواحد بتعدد الأغراض أيضا.

وقد يصل الأمر إلى اختراع الذي يكتب للغة تميزه عن غيره، هذا يحدث مع الكاتب الحقيقي، العجيب فعليا أن هذه اللغة المميزة تختلف عن الكلام الذي يعبر به نفس الكاتب عن وجهة نظره فيما كتب.

من كل هذا نخلص إلى أن اللغة شئ مجرد ومستقل عن قائله، واستقلالية اللغة عن قائلها هي البداية لموت المؤلف.

3- تطور النظرة للمؤلف:

تطورت النظرة للمؤلف على مراحل مرتبطة بتطور الفن ذاته. من المرحلة الرومانتيكية التي رأت فيه رسولا يتنزل عليه الوحي، ويحمل بين جنبيه رهافة وحسا ونبوءة، يحمل روحا شفيفة مستمدة من السماء، النظرة التي تضعه بشخصه في مكانة قريبة من المقدس.

إلى المدرسة الواقعية التي اعتبرته شاهد عيان وإثبات على الواقع، هذا أشبه بملكي السجل، يرى ما قد يخفى على الجميع، ويعيد القيمة لكل مهمل، إنه الشاهد الوحيد على قيمة الأشياء، وهو الجرئ المناضل الذي ينطق بالمسكوت عنه، وينتصر للضعفاء، هو المفكر والفيلسوف القادر على قلب كل القيم، وخلق عوالم أرقى وأنقى، تستقر فيها مفردات الحياة في مواقعها المثالية.

ولطالما اعتمد كبار النقاد والمحللين إسقاط الذات المبدعة على النص، يتم التأويل بحسب معارف وثقافة الناقد، نفسيا، وسلوكيا وإجتماعيا. لم تتخلى الحداثة في بدايتها عن الربط بين المؤلف والنص.

ذلك التشظي وانفجار الهذاءات الحلمية، تلك الرؤية المغايرة والمعاندة للواقع، عملية التشكك والتساؤل المستمرة، حتى وإن غابت الغاية من وراء السؤال.

ربط النقد الحديث بين النص ومخيلة المبدع، وتم اعتماد الجنون – تلك الحالة التي كانت تسمى بالوهم أو الخيال الثري – كمعادل فني إبداعي، بل وتجاوز نقد القارئ لوصم المؤلف نفسه بالخبل.

تمت إعادة تشكيل المبدع في صورة المريض النفسي، أشعث، منفلت، يحدث أشباحه ويهيم بنظره في الفراغ، ساعدت الصورة الفوتوغرافية، ومن بعدها التليفزيونية في تأكيد ذلك المعنى.

أذكر كيف تشكك الكثيرون في هوية (خالد الصاوي) الجنسية بعد فيلم (عمارة يعقوبيان)، إنه أثر الصورة التي يفرض واقعا، وينفي كل الشكوك. في الواقع لم يفقد الفنان من حريته قدر ما فقد النص، والقارئ أيضا.

4– أعلم تماما أن الكثير من المهتمين بالأدب قد تلقوا مصطلح (موت المؤلف) بصورة مغايرة لطبيعته.

أن يطرح المؤلف عمله بعد الطباعة ويترك أمر النقد والتفسير للقارئ، فلم يعد من حق المؤلف الدفاع عن عمله، ولا تفسير ما قد يختلط على القارئ من أمور، لكن الأمر أبعد وأعمق من هذا التفسير السطحي المغلوط. كنا قد أوضحنا وجهة نظر (دي سوسير) بأن اللغة كيان مجرد ومستقل عن المتكلم.

وكان لوجهة النظر تلك أعظم الأثر في تغيير العديد من المفاهيم الفنية، صارت اللغة هي التي تتكلم وليس الكاتب، صارت المتحدث الرسمي في النص، وصارت الكتابة هي أن تصل إلى مرحلة تكون اللغة فيها هي الفاعلة، وليس الأنا.

وتحول النقد من دراسة الأديب إلى دراسة الأدب نفسه، اهتز كهنوت المؤلف، فقد انفصلت العلاقة بين المخلوق وخالقه.

ماذا يعني النص عند (رولان بارت)؟

وضع (بارت) نظرية النص، والنص عنده التقاء الفاعل مع اللغة، والفاعل هنا هو القارئ.

النص ممارسة دلالية يوظف فيها القارئ كل طاقاته، إنه بنية فنية افتراضية أبدعها المؤلف، وبرغم أن المؤلف قد أبدعها لكنه يفقد معناه الوجودي، تتكلم اللغة وليس هو. وللنص عند بارت طبيعة شديدة الخصوصية، حيث النص تناص، والتناص هو إدراك القارئ لعلاقات قائمة بين المكتوب ونصوص أخرى، سابقة كانت أم لاحقة.

النص مثل النسيج، والكاتب يتموضع فيه وينحل، بهذا يتحول النص إلى مجموعة من العلاقات الدلالية مع مجموعة أخرى من النصوص، ذلك المزيج يجعل من المؤلف مجرد ناسخ ماهر ليس إلا.

الأمر لم يتوقف عند مدرسة البنيوية، التي كان بارت أهم روادها، بل تخطاها إلى ما بعد البنيوية، وتحديدا التفكيكية، لتظهر نظرية (النصية) textualty والنصية هي الاعتقاد بأن كل شئ في الوجود نص.

العالم كله نص كبير، والتناص هو الاعتقاد بإنه لا يوجد نص أصيل، وأن كل نص إنما هو إعادة تشكيل لنصوص أخرى وعى الكاتب بذلك أم لم يع. فلا شئ يمكن وصفه بالعمل الأول، أو العمل النقي الأصيل.

هذا يأخذنا إلى منحى جديد تماما، فالكتابة ليست مجموعة الأفكار المحتلة لذهن الكاتب، وليست ذات معنى محدد وأحادي، إنما هي خليط من الاقتباسات المستقاة من بؤر ثقافية مختلفة، تحددها الخبرات، البيئة، النفسية، الطبيعة، الحياة المادية، وكثير من المؤثرات على الأنا.

كل هذا يصنع شيئا آخر غير الخلق، أو الإبداع المطلق، ألا وهو عملية الانتقاء من بين موجودات لصنع خلق آخر. وهذا لا ينفي مطلقا وجود الفكرة الثاوية في الذهن، لكنها لا تخرج على شكل فكرة، بل على شكل مزيج لغوي يشبه نصوصا أخرى في غير مسارها المعروف.

ويصبح مصدر قوة النص وثراءه يكمن في قدرة الكاتب على تحويل كتابات سابقة عن مساراتها الأصلية إلى مسار أصلي جديد.

لابد والتوقف قليلا عند هذا الجزء بالذات. عندما دعا رولان بارت إلى حذف كلمة (مؤلف) نهائيا من القاموس، لتحل محلها كلمة (الكاتب) أثار عاصفة جدلية، تمتد آثارها إلى الآن، رأى البعض في دعوته وجاهة، ويعارضه البعض بقسوة، ومع الاتهام بنقص في النظرية إلى حد الاختلال، تظل محل نقاش.

على أية حال يرى رولان بارت أن الكاتب لا يحمل بداخله عواطف، أو مشاعر، أو أمزجة أثناء الابداع، ليس بداخله سوى ذلك العالم الضخم من الكلمات، القاموس الذي يمارس به نشاطا لفظيا عن طريق فعل الكتابة.

ويستمر معتبرا أن الكتب ما هي إلا أشياء مصنوعة من علامات، يمتلك الكاتب علامات، يستخدمها القارئ دونما التزام، حيث يكون للقارئ علاماته الخاصة التي قد ينتصر لها أثناء التأويل.

أعلم أن هذه الرؤية قد تبدو مدهشة ومرفوضة للوهلة الأولى، ولكن للتعامل معها بحيادية لابد من توضيح أمرين، الأول طبيعة الأعمال الفنية، ثانيا فعل الكتابة ذاته.

إذا ما تأملنا طبيعة الأعمال الفنية سندرك عملية (التكرار) و (الاختلاف) في آن واحد، فلا يوجد عمل فني يمكن تصنيفه بمعزل عن باقي الأعمال، وبالأحرى تاريخ الفن، فكما نعلم إن الحبكات التي يتحرك فيها الفن محدودة، مستهلكة.

ولا وجود أبدا لما نسميه بالفكرة الأصيلة، نحن نكتب معادا، هذا ما تؤكده نظرية التناص، حيث كل نص عبارة عن مجموعة من نصوص أخرى بشكل أو آخر، جزء من مكرر، أو مجموعة أجزاء مكررة، ما يشبه العود الأبدي للفكرة المستهلكة.

لكن هذه الأفكار تتقاطع مع غيرها، تفتتها، وتجزئها، ذلك التقاطع والتجزيء هو الذي يصنع الاختلاف في البناء الجديد، بشكل أوضح يجعله يبدو جديدا، مختلفا، لأنه يسمح بعدد لا نهائي من النصوص المكررة في فكرتها، والمختلفة في تكوينها ودلالتها.

التكرار والاختلاف، والمرجع لحالة التباديل والتوافيق بين عدد لا نهائي من أجزاء الفكر. هذا يحول الكاتب إلى مجرد ناسخ، وهذا أدعى لتسميته بالكاتب وحذف كلمة المؤلف. ثم يأتي فعل الكتابة نفسه.

الكاتب والنص:

لا أنكر أن الكاتب قد يحمل بذرة الفكرة التي تدفعه نحو الكتابة، ومع إمساكه بالقلم يتحول الأمر نحو كيفية التعبير، حيث تنحل الفكرة تماما مع انفتاح القاموس اللفظي، فلا يتبقى سوى عدد هائل من الكلمات.

ومع الكلمة الأولى يحدث ما يشبه التفاعل الكيميائي، ما أسميه (أثر الكلمة المكتوبة)، إنه تفاعل في اتجاهين، من الكلمة إلى الكاتب، ثم من الكاتب إلى الكلمة، تتلاشى كل العواطف والأمزجة والمشاعر، ويبقى فقط أثر الكلمات، والقاموس الذي لا ينفد.

إذن فقد انحسرت العلاقة بين الكاتب والنص إلى أضيق حد، بمعنى آخر وقف العلاقة على انتسابه للنص، وليس انتساب النص له.

أعلم إن هذه الرؤية لها وقعها شديد القسوة على نفس الكاتب، وطبيعي أن يعتبرها حربا شخصية، فدفاع الكاتب لا يكون عن النص، بل عن ذاته، وجوده، وجهده، حتى وإن غذى كل مرافعاته بأجزاء من النص.

فهو يرى في نفسه مثالا يجدر اتباعه، والاحتفاء به، يشعر بتميزه وبتلك المنحة التي خصته السماء بها. ويتمادى (بارت) ليضع مثلثه البارتي النص، اللغة، القارئ، متجاهلا المؤلف تماما، نافيا إياه في اللا وجود، ومعلنا وفاته، وبقدر ما يحمل هذا المثلث موتا للمؤلف، بقدر ما يمنح الحياة للنص.

فالقارئ هنا يصيغ النص ولا يستهلكه ظاهريا، لا تصب الدلالات في رأسه وحسب، صار منتجا لا مستهلكا، وله كل الحرية في فتح أو غلق المخيلة الدلالية، بعيدا عن سطوة المؤلف الدلالية.

النص وسيلة اتصال لغوية يجب الانطلاق منه، من بنيته، مجازاته، ومكوناته، ولا يجدر تحليله من الخارج أبدا، أي عبر الملاح البيئية والشخصية والثقافية للكاتب.

فللقارئ الحق في التأويل كما يشاء، تحت وطأة موروثاته الشديدة الخصوصية.

هذا دعا (بارت) إلى الإعلان بكل وضوح وصرامة ” إن النمط النقدي الذي يوطد العلاقة بين النص وكاتبه قد انتهى إلى غير رجعة ” وأعلنها (دريدا) “لا شئ خارج النص” فالنص مكتف بذاته.

أما المدرسة الرمزية فقد شاركت في نزع الهالة المقدسة عن المؤلف، وأوصت دون توقف بإحداث خيبة مباغتة للمعنى “هذا ليس المقصود أبدا، وربما يعني شيئا آخر” وتم الإعدام بالفعل بعد اعتماد الحركة النقدية للنموذج اللغوي كأساس لمقاربة العمل الفني.

وأصبح الاعتقاد في وجود المؤلف أثناء التحليل اعترافا واضحا أنه يمثل ماضي كتابه، وأنه يوجد قبله، يغذيه، يعاني ويعيش من أجله، مثل الأب بالنسبة لابنه، وتلك المسافة الزمنية بين وجود الكاتب وبدء الكتابة هي نوع من تحديد المسار، وتوقيف المعنى، كما إنها لا تتناسب وغياب النص الأول، الفطري النقي الذي نفته النظرية.

أما الكاتب الحديث فيولد مع بدء النص، ولا مجال أبدا أن يسبق الكتابة، لكنه يهرم بنفس سرعة اكتمال النص، ويموت بعد النهاية ليولد القارئ. هذا يغذي نظرية (موت الكاتب ميلاد القارئ) ويصبح النص يتيما لا أبوة له.

ما قيمة موت المؤلف في داخل المنظومة الفنية؟

يقول (تيري إيجلتون) وهو ناقد أدبي انجليزي، وأستاذ الأدب بجامعة أوكسفورد “في اللحظة التي وضعت البنيوية الموضوع الواقعي بين أقواس، وضعت الذات الإنسانية أيضا بين أقواس”

ورغم أن البعض يسوق هذه الجملة المتقدمة زمنيا كنوع من النقد للنظرية، إلا إنني أجدها معبرة تماما عن روحها.

فالأمر ليس نزعا للملكية قدر ما هو تحديد للأدوار في معادلة الفن. ويدلل الناقد الانجليزي إيجلتون بجملته على أن للبنيوية مشكلة مع الذات، فهي تقوضها، تصفيها، وتختزلها في ذات جديدة، وهي النظام، حيث أعزت إليه كل خصائص الفرد، فهم يرفضون الأسطورة القائلة بإن المعنى يبدأ وينتهي بخبرة الفرد.

لكني أعتقد أنهم قد حولوا النص من مسافة بين نقطتين، هما البداية والنهاية، ومغذي فردي وحيد، إلى اللا نهائية المطلقة، لا نهائية البداية، ولا نهائية النهاية، ذلك البراح غير المدرك الذي أضيف، جعل من النص أسطورة حية، تماما كالثقب الأسود، يمكنه ابتلاع الكون دونما تخمة.

وكما ذكرنا في التفكيك يتحول كل شئ إلى نص، فعوضا عن الأدب أصبح لدينا النصية، وبدلا من الذات أصبح لدينا التناص، وأصبحت كل الذوات، الكاتب، الناقد، والقارئ بناءات لغوية.

وتتضح قيمة النظرية في إزالة الحواجز بين القارئ والنص، القارئ حر في تفسير الدلالات، وفتح باب التأويل أو غلقه، وله الحق كل الحق في تجاهل مقصد الكاتب، واختيار حالة اللايقين.

فهو يقوم بهدم وإعادة بناء النص، بل واختراع حوارات تخيلية أحيانا، لاستنطاق المعنى الصامت.

لذا اعتبر (بارت) النقد كتابة فوق الكتابة، ونصا فوق النص. يقول ت.إس. إليوت ” نمو الفنان مرتبط بإنكار الذات، وإفناء شخصه” وهذه النظرية تحقق ثلاث وظائف كما لخصها (عمر أوكان) إدراك النص في تناصه ( مجموعة النصوص المكونة للنص ).

الابتعاد عن النظر في صدق أو كذب النص (عقيدة الأخلاق الأدبية) وأضيف أنا، إن عملية موت الكاتب تحرر النص من عصره، وظروف كتابته، التي قد تجعل النص غير قابل للقراءة في عصر وظروف أخرى، تربطه بقيم وتقاليد مجتمعية وأحداث تاريخية محددة.

وتغلقه على مجموعة من البشر دون سائر البشر، هذا يساعد في كسر أعظم حاجزين، حاجز الزمن والمكان.

إفساح المجال لتموضع القارئ (مولد القارئ موت الفنان) في النهاية يمكن القول إن الكاتب لا يكتب من العدم المطلق، بل هناك مغذيات جاهزة في وعيه أو لا وعيه، أحادية التفسير تعني إغلاق الكتابة، وتحول القارئ إلى مجرد وعاء، أما فتح باب التأويل في النص يمنحه خلودا، برغم إعدامه للمؤلف.

لقراءة المزيد من التحليلات الروائية, اضغط على الرابط:

https://art-analyse.com/wp-admin/post.php?post=457&action=edit

لقراءة المزيد حول نظرية موت المؤلف:

https://ar.wikipedia.org/wiki/

بقلم الاستاذ: tamer attia

1 تعليق

أترك تعليق