رواية المَسْطَر للكاتب ناصر الضفيري.



هذه الرواية هي ثالثة الثلاثية “البدونية” التي ضمت رواية “الصهد” (2013) جزءاً أولَ، ورواية “كاليسكا” (2015) جزءاً ثانياً، ثم “المسطر”.

غلاف رواية المسيطر

سميت هذه الثلاثية “ثلاثية الجهراء” وهي المحافظة التي عاش فيها مثله مثل سائر”البدون”، في شمال الكويت، وعُرفت ببؤسها الاجتماعي و”الوجودي”.

لكن الظفيري الذي كان بحق روائي “البدون” والقضية “البدونية”، وقصَر معظم نتاجه القصصي والروائي على قضيته الأم هذه حتى غدا هذا النتاج أقرب إلى “ملحمة” سردية، يروي عبرها المراحل التاريخية التي اجتازها “البدون”.

بدءاً من نشأتهم وتكوّنهم كأقلية، فإلى ماضيهم القريب وواقعهم الذي ما برح مأسوياً.

وتطرق أيضاً إلى العلاقات التي قامت بين الأفراد والجماعات “البدون” بالسلطة أو السلطات والتقاليد والأعراف التي همّشتهم، مع أنهم كانوا وما زالوا “مواطنين” أوفياء لوطنهم الكويت.

ودافعوا عنه في الحروب التي شنّت ضده، لا سيما خلال الاجتياح العراقي للكويت.

وقد يكون أحد أبطال رواية “المسطر” وهو الخال ضيدان، نموذجاً للشخص “البدوني” الكويتي والعربيّ القحّ والباسل الذي شارك في حرب يونيو(حزيران) 1967 وحرب أكتوبر(تشرين الأول) 1973 وحرب تحرير الكويت 1990 التي أصيب فيها.

وقد أصيب بالعقم بعد إجراء عملية الكيّ له إنقاذاً لحياته تمت في اول شبابه كرمزية آخرى.

ولعل رواية “المسطر” حملت أصلاً كنايته وهي تعني الجندي العاديّ الذي لا يحقّ له أن يترقّى عسكرياً وأن يحمل أيّ رتبة، جراء انتمائه “البدوني” حتى ولو ضحّى وقاتل ببسالة.

إفتتاح رواية المسطر


افتتاحية الرواية كان بالأحجية التي إن فكَّكت رموزها، فككت رموز الحكاية كلها.
«ملعونة هذه الرمال ابتلعت خمسين الخال».


الرمال الملعونة ابتلعت خمسين (الخال ضيدان)، وهي ليست أي (خمسين)، إنها خمسون عامًا من عمره وحلمه.


الرواة الثلاثة يتناوبون على سرد الرواية: الماضي (الخال ضيدان)، الوضع الراهن (كريم)، الخلاص (رومي).

السرد واللغة السينمائية


يأخذنا السارد بطريقة سردية توالدية ولغة سينمائية كزهرة تتفتح أوراقها أو كتقشيرة البصلة بشكل سردي تبئيري وهو ينتقل بنا من حكاية إلى أخرى.

إذ تتمثل في طلب رومي من كريم:

” أكمل! تبدو حكايتك حزينة فعلاً”.

إذ ما أن ينتهي كريم من سرد حكايته حتى يبدأ رومي بسرد حكاية خاله ضيدان.

الترميز والعبارات المفخخة


لا يخلو عمل الظفيري المسطر من الترميز، و الكثير من العبارات المفخخة، كما وجدنا ذلك في أعماله السابقة.

وهي ليست ببعيدة عن اللغة الخاصة التي تستخدمها والدة رومي، وعلى سبيل المثال لا الحصر، حينما يسأل رومي والدته:

– هل تأكلين معي؟.


فتجيبه:

– “لن أخدم أحداً وأنا جائعة”.


أحد الدروس الجميلة التي تضمنتها رواية المسطر هي, التفكير مليا قبل التشبث ببعض الأفكار والقرارات.

فربما اكتشفنا لاحقا أننا تمسكنا بقيمة واهية وأضعنا من أجلها الكثير من فرص الحياة.


تمثلت هذه القيمة (بالوطن) داخل حدود الرواية، وربما تمثلت بقيمة أخرى داخل حدود نفسك.


قيمة تظن أن لا حياة لك بدونها.. فتظل في دائرتك الضيقة تخشى أن تخطو خطوتك الأولى
لاقتناص (الفرصة المستحيلة).


لم تكن رواية الظفيري رواية رصد المعاناة فقط بل كانت رواية أفكار أيضاً، رواية تبعثر الأسئلة في ثناياها، تدس القلق فيها بشكل أو آخر.

رواية استفزازية بكل معنى الكلمة. رواية تستنهض الأرواح والعقول الخاملة.

رواية تضع أمامك كل الاحتمالات تحت سقف المصادفة والضرورة، لكنها رواية تطفح بالمرارة تحت ذلك السقف، الذي أشرت إليه، وبالمفارقات، وتشير بالأصبع الكبير لأشكال العنصرية والنبذ والتمييز .


يستحق الروائي ناصر الظفيري أن تُعاد قراءته أو أن يُعاد اكتشافه، ليس بوصفه روائي “البدون” وقضيتهم، بل كروائي مهمّ وطليعيّ، صاحب تجربة فريدة في الحركة الروائية الكويتية والعربية الجديدة.

ويكفي الظفيري نجاحه في رفع قضية “البدون” إلى مصاف القضايا الإنسانية الكبيرة، وهي قضايا الشعوب المقتلعة والمستلبة التي تعيش على هامش التاريخ والواقع.

لقراءة المزيد:

https://www.alaraby.co.uk/%E2%80%8F%22%D9%85%D8%B3%D8%B7%D8%B1%22-%D9%86%D8%A7%D8%B5%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B8%D9%81%D9%8A%D8%B1%D9%8A


مقتطفات من الرواية :


– ” أنت لا تعرف معنى الحياة في الخارج، في الشارع، أمام الناس. الحياة ليست في غرفتك. حين تكون وحيدا فغرفتك ليست سوى قبرك”.


– “لقد عاش تكونه الحقيقي بعيدا عن هنا وليس له من ذاكرة المكان إلا الجزء الطري، والذي لم يمنحه الوقت الكافي كي يتشكل.


– “الوطن هو ما في داخلك كالإله الذي تعبده، إذا لم يسكنك لن تعرفه!. الوطن ليس قدرا.”


– “الأشخاص الذين لايربطهم شيء بالحياة هم الأكثر استعداداً للموت.”


– “الذين استسلموا لأقدارهم هم أولئك الذين تركوا فرصهم تمر دون أن ينتبهوا لها. الذين لم يعيشوا الحياة كما يحبون هم الذين جبنوا أمام فرصها المستحيلة وركنوا للفرص المتاحة.”


– “لم أشعر بمرارة الرحيل قدر استمتاعي بمتعة الهروب.”


– “هذه الأسوار قد أطبقت عليَّ تمامًا، وحين أفلتتني من قبضتها وقد اعتدت عليها وألفتها، لم أجد لي مكانًا في الحرية”.

بقلم: احمد السماري

2 تعليقان

  • Uwielbiając informacje na tej stronie, wykonałeś świetną robotę przy artykułach.

  • يقول viagra:

    Thanks for your entire labor on this web site. My mother take interest in participating in research and it is simple to grasp why. My spouse and i notice all regarding the powerful tactic you produce useful thoughts via your website and in addition recommend response from the others on this subject then our own princess is truly studying a whole lot. Take pleasure in the rest of the year. You have been performing a terrific job.

أترك تعليق